الجابي
( رواية في حلقات بقلم إحسان وصفي )
تقديـــم:
جمال الحياة يجعلنا، نكتبها، نرسمها، نغنيها...
رائعة ٌ هي وحلوة ٌ بكل معانيها..
ولأنها عميقة ٌ كالبحرِ فإننا نبحرُ فيها..
وعند الشواطئ نستريح..
ومن عناء الرحلة ِ نستلهم مما رأينا..
ونستذكر البحر العظيم بقطرة دمع ٍ نداريها..
ذكرياتنا حلوة ٌبرغم المرارة، ومرة ٌبرغم الحلاوة..
حياتنا الجميلة..
قولوا ما تشاءون، لكني هكذا أسميها
إحسان وصفي _ مارس 2009
جابي العقول (1)
كانت في كل صباح تسير في ذات الطريق ترتدي ذات اللباس وتحمل ذات الحقيبة ..
حينها كنت أعيش مراهقتي التي أفتقدها الآن.. مراهقة ٌكانت عنيفة ً ونادرة ً، دفعت فيها ثمنا ً غاليا ً فالأشياءُ النادرة ُ لها ثمن ٌ غالٍ تستحقه.
وجال في خاطري ذات مرةٍ حين صادفتها في حافلة نقلٍ عام أن أكلمها فقد كان الكلام في تلك الأيام مبعثاً للسعادة والفرح وليس كما هو في أيامنا هذه التي أصبحنا فيها لا نعرف الكلام ولا نعرف عن معنى الكلام غير أصواتٍ بلا إحساس.
فبدأتُ بإعداد خطتي السرية السحرية وهي أن أجعلها تكلمني كل صباح وأن أجعل شفاهها ترتجف مع رؤيتها لي.. شفاهٌ تتلاطم كموجات شاطئ دجلة وأن أجعل أناملها تلاحق حركات يدي عسى أن يصافح بنانها بناني يا إلهي..يا إلهي
كنتُ أدعو ربي كل صباحٍ أن يلهمني الفكرة.. وأن تكتمل صورة الخطة في مخيلتي...
وذات صباح ٍ، أيقظتني أحلامي العنيفة لأجد عقلي كنارٍ متأججة ٍ بكل الأفكار ِ والخطط ِ ، فعزمت ُ أمري وبدأتُ رحلتي للقاء بها، رحلة ٌ تتلاطم فيها أمواجنا النهرية فهي دجلة الفتاة وأنا الفتى فرات ..
ثم توجهت إلى دار صديق ٍ لي يعمل والدهُ مسئولا ً في شبكة النقل الداخلي وبعد الاستئذان طلبتُ اللقاء بوالد صديقي فجلست معه في غرفة الضيوف وكنت فيها مرتعبا ً خشية أن يخبر أبي بما نوى قلبي عليه..
كنتُ أخشى أن يقال عني مجنونٌ أو تافه فلست كذلك، لكنه قلبي الذي هوى أمامها وعقلي الذي لم يعد بغيرها يفكر..
فقلت لوالد صديقي: أيها العم أن حالة أبي المادية أصبحت صعبة وأنني أحتاج لأن أعمل فأخفف بذلك عنه أعباء البيت لذا أتمنى أن توافقني وأن تساعدني في الحصول على عمل ٍ في شبكة النقل، أفكر أن أعمل جابيا ً للأجرة.
وكانت خطتي أن أجبي نقود الركاب لأحفظها في جيبي وأن أجبي قلب حبيبتي فأحفظه في قلبي فإن قالت الناس ُ عني بأنني مجنون أكون قد استحققت هذا اللقب بجدارة. نعم فلا بأس أن أكون مجنونها كما كان قيسٌ مجنوناً بليلى..
ولحكمةٍ ما ألهم ربي والدَ صديقي بقبول طلبي فبدأت الخطة تسري وكأن الأمر سحريا ً بالفعل.
تعجب صديقي مما جرى بيني وبين والده فهو لم يسمع مني أبدا ً عن تعرض والدي لمشكلة مادية لكنه كان يعرف بأنني كنت قد فقت في أحدى الليالي مذعوراً من كابوس ٍ رأيت فيه الجابي الحقيقي الذي نصادفه كل صباح في الحافلة يُقبل حبيبتي بدلاً أن يجبي منها الأجرة..!!!

يناير 2001
جابي القلوب (2)
مضت أيامي ومعها مضت أحاسيسي الملتهبة في اتجاهات ٍ جديدة، ولم تكن هناك فرصٌ كثيرة لكي أختار ما أشاء منها ولا وقتا ً كافيا ً لكي أفكر بالحلول الصحيحة وكان الحبّ قد تغلغل في دمي وأصبحتُ مقاوما ً بارعا ً لإحباطي المتكرر.
وفي ساعة غروب ٍ صيفية جلست ذات مرة عند دجلة النهر أتأمل مسحتهُ الحزينة وخوفه الرهيب مما يخبئه له المستقبل ، ووجدت أن بيني وبينه شبه ٌ عظيم ، فكلانا عاشقٌ وكلانا متعطشٌ للحب ِ ، فقررتُ أن أكتب إليها عن تلك المشاعر التي تجتاحني لكني مع تأملي كنت أسترجع ُ شريط َ الأحداث ِ التي مرت وكنت أمنحُ لنفسي العذرَ عن كل ما حصل..!!
وبدأتُ أكتب، فكتبتُ الكثير من القصائدِ لكني لم أكن أجيد الخط َ وكان خطي رديئاً فأهملتُ الفكرة.
وجاءني الخبرُ من صديقي فقد حصلت على الوظيفة المنشودة في شركة النقل الداخلي وأخبرني أيضاً بأن والده ُ ينتظر أن أثبت تفوقي وجدارتي وأن علي التدرب من أجل نجاحي في وظيفتي أما أنا فقد بدأت بالتدرب استعدادا ً للقاء فتاتي في الحافلة بصفتي جابي الأجرة.
وبعد كل ما عانيت من أجل أن أمد يدي إلى فتاتي بتذكرة الحافلة، فاجأني والدها بشراء سيارة ٍ زرقاء قديمة الطراز أشبهُ بدبابة ٍ من الحرب العالمية الثانية، وبدأ إيصالها بنفسه إلى المدرسة، فطارت فرصتي ومعها طار عقلي.
يبدو أن هذه السيارة عرفت بقصتي فاختارت أن ترتدي رداء الحماة وبدأتْ بإغاظتي بأن تفقدني فرصة متابعة فتاتي الجميلة وهي تختال في الصباح متجهة إلى مدرستها، فتاة كأنها أميرة ٌ من ذاك الزمان الجميل.
ورغم كل شيء فلم أفقد حلمي ورغبتي في أن أجعلها تكلمني كل صباح وأن أجعل شفاهها ترتجف مع رؤيتها لي فقررت أن أنتقم من هذه الحماة الجديدة السيارة القديمة، فوجدت نفسي أعد للخطة الجديدة، وعزمت أمري أن أبدأ رحلة الانتقام.
وفي ليلة ماطرة وعند الليل كان انتقامي شديدا ً فتمكنت من عمل ثقبين صغيرين في العجلتين الأمامية وفي الصباح فشل والدها في تحريك سيارته مما دعا فتاتي للخروج إلى مدرستها مشيا ً واتجهتْ إلى موقف الحافلات، لكنني لم أتمكن من لقاءها إذ كان موعد عملي في الحافلة ذلك الصباح لا يتفق مع الوقت الذي وصلت فيه ِ إلى الموقف.
في تلك الأيام كان الحب أشبه بالماء الزلال، صافيا ً رائقا ً فيه تتلألأ المشاعرُ الجميلة وتسمو لتبدو كآيات من الطبيعة البديعة. وكانت فتاتي في تلك الأيام أجملَ قصة ٍ عرفتها القلوب وكنت أنا أشقى قلب ٍ في تلك القصة لذلك كانت شقاوتي مصدرا ً للشقاء.ٍ
ووصلني خبر إنهاء خدمتي في شركة النقل الداخلي بعد أن امتنعت من العمل فيها بشكل منتظم.
أما صديقي فقد أخبرني أن والده الذي توسط لي للعمل قد غضب لأني لم ألتزم في الوظيفة الجديدة وقال له: يا بني احذر أن تفقد عملك ففقدان العمل كفقدان العقل وأن صاحبك هذا، يقصدني أنا، سيفقد عقله في يوم ٍ قريب فلا تبالي بصحبته، وقال عني بأني لست بجابي للأجرة بل جابي للعقول لأنني تمكنت من إقناعه في التوسط لي وفاته أنني لم أجبِ عقل أحد بل هو من يريد أن يجبي عقل ابنه.
أما الحماة الجديدة فقد بدأت تحبني إذ صارت تصادفني من حين ٍ إلى آخر في أماكن لا أتوقعها وكنت أظن أن والد فتاتي يلاحقني، أما هو فكان نحيفا ً قصيراً وكان من الصعب أن أرى رأسه حين قيادتها مما يجعلها تبدو بلا سائق وكان ينزلق من على كرسيه ليتمكن من الوصول بطرف قدمه لدواسة الوقود .
وبقيت أحب فتاتي فلم يكن مقدرا ً لي أن أتراجع عن اختيارها كأفضل فتاة في ذلك الزمان، وكانت بما تمنحني من ابتسامات ٍ هادئة وإشارات متزنة تشد قلبي بقيود وروابط جديدة، وتقيم شبكة متينة من حبال الحب حتى وجدت نفسي مستسلما ً لحقيقة اعتبرتها ظاهرة طبيعية ومنحتها تفسيرا ً وتعريفا ً فقلت: أنا قلبٌ وهي جابية القلوب .

أبريل 2001
جابي النفوس (3)
في تلك الأيام كنتُ أعيش بمقاييس مختلفة عما كان يعيش بها الآخرون فعلى الرغم ِ أن الشهرَ ثلاثون يوماً وأن اليوم َ أربعة ٌ وعشرون ساعة إلا أنها كانت مختلفة ٌ معي فبدت أطول مما هي عليه، أما الألوان فقد كانت مختلفة ً أيضاً وظننت أن ألوان الطيف كذبة ٌ ابتدعها أستاذ الفيزياء ليجعل من الدرسِ أكثر متعة.
ولأن ذاكَ الزمانُ كان مثلي ، يعيش في الماضي ، فقد كانت أشياءه ُ بلون ٍ واحد ٍ معتم ٍ ، لونٌ رمادي بين الأسود ِ والأبيض ِ وعند انتهاء الشتاء أدركت بأن ظهور الحب ّ في حياتي منذ أربعة أشهر هو تعقيد كبير وأنني لستُ بقادر ٍعلى التعامل معه ولا على فهمه أو تحليله ، بل أنه مشكلة ٌ كبرى ومن الضروري الوصول إلى حالة ٍ من الرضا والصفاء قبل وقوعي في شراك الجنون.
كانت الجمعة ولازالت الإجازة الرسمية الأسبوعية في البلاد، وكانت التقاليد التي اعتمدها الناس ورضوها لأنفسهم تقضي بأن تلتزم الفتاة بيتها أيام الإجازة ولا تخرج منه إلا بصحبة أهلها، فالفتاة في نظر الجميع الجزء الأكثر طهارة في العائلة وهي ما يرمز لها بالشرف ِ والعفة ، لكن قلبي كان أكثر إصرارا ً ورغبة للحب مما جعلني أبحث عن وسائل قد تمكنني من رؤية حبيبتي!
كان صديقي من رواد المقاهي ودور السينما وكنت أقضي معه أغلب أماسي الجمع في مقهى يقع عند ضفة دجلة النهر ، وهناك كنا نداور رقعة الشطرنج بيننا لتكون القطع البيضاء معي في مرة والسوداء في مرة أخرى أما عيناي فقد كانتا محتارتين بين أن تراقب رقعة الشطرنج وبين أن تراقب لوحة التقويم المعلقة أمامي في زاوية المقهى حيث كانت جميع الأيام بيضاء عدا أيام الجمع والعطل الرسمية فكانت سوداء لأنني لا أتمكن فيها من رؤية ملاكي الجميل فكنت أتأمل كثيرا ً في أن ينتهي يوم الجمعة بأمل الوصول لبداية أسبوع جديدة أتمكن فيها من الوصول لقلب فتاتي.
أما هذه الجمعة فأمرها مختلف تماما ً فمنذ الصباح الباكر استيقظت من كوابيس مرعبة وأخبرتني أمي بأني كنت أبكي وأصرخ أثناء نومي وسألتني ماذا رأيت فقلت عربات فيها كؤوس من ذهب تمنح لمن يأتي بمزيد ٍ من رؤوس موتى الذبح . وخرجت ذلك الصباح الرمادي لأجد أن في الشارع حركة ً غير اعتيادية وإذا بصديقي في الشارع مثلي ، فسألته عن الذي يجري فقال وعلى وجهه علامات التجهم والتقطيب أن بعض الضباط قد حاولوا القيام بحركة انقلابية وأنهم حسب علمه ِ لم ينجحوا في ذلك ، وأن جموع الفقراء من الفلاحين تتجه بحافلات الركاب الشعبية إلى مراكز الحكومة لحمايتها من الانقلابيين.
واتجهت مع صديقي نحو بيتنا لنفتح المذياع ولنعرف آخر الأخبار وفي البيت جاءنا والدي الذي دعانا للحذر والانتباه فالفوضى عارمة والأوضاع التي تمر بها البلاد محرجة واقترح والدي أن نتجه إلى الحديقة الخلفية حيث يمكن أن نحتسي الشاي مع العائلة ونتحدث عن الأوضاع وعما يجري.
بعد أقل من نصف ساعة ظهرت بعض الطائرات في سماء المدينة وتأكد لنا من المذياع صحة خبر الانقلاب وأن قادته قد أمسكوا بزمام السلطة وتم إعلان الأحكام العرفية ومنع التجوال وشعرت بأن العالم على حافة ٍ من بركان وظهرت أمامي آلاف الصور، فجن جنوني وأنا بعد لم أبلغ سن الرشد.
كان ربيع ذلك العام أقل اخضراراً ورياحينه أقل عبقا ً، وكنت أعاني من الانغماس في الحب والانكماش في علاقاتي الاجتماعية والإنسانية الأخرى ، وبعد أن أوقفوا العمل بمنع التجوال صرت أخرج من بيتنا قاصدا بيت فتاتي بأمل أن ألتقيها .
وصادف ذات يوم ٍ أن وجدت ُ والدها واقفا ً عند الباب الخارجي لبيته بالقرب من سيارته الزرقاء وكان حوله عددٌ من الرجال وبدا لي أنه حوار بصراخ أو شجار، لم أعرف حتى اقتربت منهم تشدني رغبة في نفسي أن أتحدث مع والد حبيبتي لأعرف الصوت الذي تسمعه كل يوم ، لكني عرفت أنهم مخبرون سريون أو أفراد في هيئة تعمل في خدمة السلطة الجديدة وأنهم يسألون عن بعض الجيران.
ودون دعوة أو استئذان وقفت أستمع لحوارهم وكنت أبرر الأمر على أنه تصرف طبيعي من شخص طبيعي ولكني فوجئت ومن دون إنذار بقبضة أحدهم تتوجه إلى رأسي لتخبرني أنني شخص غير طبيعي وأن تصرفي غير ُ طبيعي أيضا ً.
خلالَ ساعةِ واحدة وجدت نفسي مع والد فتاتي واقفين أمام حاكم التحقيق ومجموعة من رجال الشرطة يوجّهون لنا إهانات كلامية وعلمت ُ أن الذين ألقوا القبض علينا أفراد في هيئة تعمل طوعيا ً في خدمة السلطة الجديدة تسمى بالحرس وعلمت من حاكم التحقيق أنهم سيقومون بتعليمنا درساً لن ننساه .
قبل أن يبدأ الدرس الذي كان علينا تعلمه، توجب أن نجتاز المرحلة الأولى والتي تمهد للشعور بمزيد من الإذلال والمهانة والتي تبدأ بصفعات لنعترف بما لا نعرف. بعد أن سمع حاكم التحقيق أجوبة لبعض أسئلته أمر بالإفراج عنا بعد أن عرف أسم والدي الذي كان يعرفه منذ زمن بعيد وبعد أن عرف أن الحرس الذي قام باعتقالنا قام بذلك بدعوى أننا أبناء الجيران الذين كانوا يبحثون عنهم.
أرسلني حاكم التحقيق إلى المستشفى للعلاج وهناك خدّرني الطبيب المُناوب وخاط جروح رأسي، وكنتُ ما زلتُ أنزفُ بين يديه، تناهى إليَّ فجأةً صوتُ والدتي باكيةً تصرخُ أين ولدي؟ قتله الأشرار!! رجوت طبيبي أنْ يفتحَ الباب كي تراني لأخبرها أنني بخيرٍ ولما دخلت رأتني مُمَدداً، لطمتْ وجهها وناحت وبكتْ فطلبتُ منها الرجوع إلى البيت وقلتُ لها مازحا ً : لم أُقتّل بعد ، لكنهم سيقتلونني فيما بعد...
بعد قليل جاءني إلى المستشفى والد ملاكي الجميل ، اقترب منّي وقال: هذه ساعتكَ ! فقلتُ: أين وجدتها ؟ قال: لم أجدها أنا بل هي ابنتي التي كانت تراقب المشهد من داخل البيت والآن هي خارج الغرفة جاءت لتشكرك لدفاعكَ عن أبيها! فقد كنت َ رجلاً شهما وخصما ً عنيدا ً لهؤلاء المجرمين.

أبريل 2002
جابي الأمان (4)
بدأت أظن أنني شخص ٌ مختلف ٌ عن باقي الناس وأنني لست كالبشر الآخرين إذ أن هناك فرصة ٌ عندي لأعرف عن الحياة ِ أكثرُ مما يعرفه ُ غيري. فللمرة الأولى أكتشفُ أن البعضَ منا لا يحبُ البعضَ الآخر ، بل ولا يعرفُ شيئاً أسمه الحبّ، وعرفتُ أن والدي ووالدتي لم يذكرا لي كلّ الحقائق، وأن عليّ أن أبحث بنفسي عن المسائل وأن عليّ أن أجد بنفسي عن حلولٍ لها.
ثم عرفت ُ أن في قومنا من هم ليسوا بشراً سواء أكانوا ملائكة ً أم كانوا شياطين..!
وجلست مع والدتي في مطبخنا الصغير نتحدثُ عن الذي جرى ويجري والذي سيجري فسألتها إن كان ما رأيته في مركز الشرطةِ هو ضرب ٌ من الخيال أم حقيقة، فقالت وهي تجهد نفسها باحثة ً عن مرادفات مناسبة : كان أبي (تقصد جدي) يحدثنا عن القادم ِ من سود ِ الليالي وعن الأعور ِ الدجال ِ وعن الجسر السابع الذي سيقام ليأتي معه الخراب.
ولم يمضِ يومان على ظهور الحرس في حينا حتى ظهروا مرة أخرى ليقبضوا على والد حبيبتي بذات التهمة ، وبدا لي أنهم استهدفوه بعد أن اتهمهم بالكذب والخداع أمام حاكم التحقيق.
سودُ الليالي: بقت أذني التي سمعتها من أمي ترددها لعقلي وبقى عقلي واجماً منكفئاً يتساءل: لماذا؟ وهل يا ترى ستأتي هذه الليالي وأنا بعد لم أبح لحبيبتي بحبي !!
وبدأت أعد نفسي للقاءِ بملاكي الجميل بحجة السؤالِ عن والدها ففي المرة السابقة حين التقيت بها في المستشفى كنت أعاني من ألم الدرس الذي تلقيته في مركز الشرطة لذلك لم أتمكن من إظهار مشاعري لها أما هذه المرة فستكون الأدوارُ مختلفة ً وسوف أتجرأ في الحديث معها.
وكعادتي انطلقت من دون أن أودع والدتي أو أخبرها عن وجهتي وعندما وصلت ُ إلى بيت حبيبتي رأيتها مع والدتها عند مدخل البيت كما لاحظت الحزن والارتباك، فشعرت بسخافة موقفي إذ كيف سأحدثها عن أحلى المشاعر وهي حزينةٌ كئيبةٌ..
اقتربت منهما فلاحظت أن والدتها عرفتني واتجهت إليّ لتجثو باكية أمامي! قالت: افعل شيئا ً فليس لنا في هذه الدنيا غيره أرجوك افعل شيئا ً.. فتعجبت إذ لم يخطر ببالي أن هناك شيءٌ يمكن لي أن أفعله ..
قالت: حاكم التحقيق صديق والدك وهو من قام بالإفراج ِ عنكما في المرة السابقة ..
أدركتُ غبائي وقلة حيلتي فنظرت ُ لعصفورتي الصغيرة بعين الرجل الشهم أن لا تخافي فأنا من سيقوم بمهمة الإنقاذ..! أما هي فلم تستطع أن تقول شيئاً وظلت صامتة وظننت أنها تريد أن تعبر عن إعجابها لكن ربما بعد أن أعيد لها والدها سالماً.
توسلت إلى والدي وبكيت أمامه راجيا ً تدخله فقبل أخيرا ً بعد أن تعهدت بعدم تورطي في أية مشاكل لاحقاً، فأخذني معه وتوجهنا لمركز الشرطة حيث هناك حاكم التحقيق يمتطي كرسيه الأسود كما لو أنه فارسٌ أرعن من زمن المغول.
في المرة السابقة حين اقتدتُ للمركز كرهت عصا الخيزران أما هذه المرة فقد وجدت سلك الكهرباء على الطاولة وعلامات حمراء على الجدران ونفى صديق والدي أن يكون قد جيء بالرجل عنده وقال لأبي : هؤلاء الحرس فتية شياطين وأظن أنهم اقتادوه لمركز شرطة آخر..!!
عدنا سوية أنا ووالدي إلى بيت ملاكي وهناك وعد والدي الأم بأنه سيفعل كل ما في وسعه لإطلاق سراح زوجها ..
وفي الليل شعرت برهبة عظيمة وتذكرت ما قاله حاكم التحقيق لوالدي فشعرت بألم ٍ في بطني والتفت إلى يميني وأغمضتُ عيني فإذا بي أغفو لأصحو عند الفجر مع صوت ِ الآذان فقمت أشرب الماء لكن خوفي دفعني كي أتوضأ فصليتُ الصبح ثم نمت مرة أخرى بعد دعوت الله أن يزيل الهم والكرب ويفرج عن كل أسير.
عندما استيقظت في الصباح كنت أنظر لفنجان الشاي وكانت هناك أسئلة ٌ كثيرةٌ تدور في ذهني لم أستطع أن أجزم بصحة أية إجابة لها، ما الذي الذي حصل لجدران غرفة التحقيق؟ ما الذي حصل كي يضعوا سلك الكهرباء على الطاولة؟ أين والد حبيبتي؟ ما الذي حصل حتى يقتادوه إلى مركز شرطةٍ آخر؟ فاستدرت أرقب أمي وهي تستعد للخروج مع والدي وفي عقلي أردد: سودَ الليالي ..سودَ الليالي...
وفي المساء زارني صديقي حاملا ً لي مجموعة ً من الكتب التي سبق أن استعارها مني وقال أن الحرس يفتشون البيوت فإن وجدوا كتابا ً ممنوعا ً اعتقلوا صاحب البيت وأن والده يصر على عدم إبقاء كتاب واحد في بيته فسألته وما هي الكتب الممنوعة ؟ فقال: لا أعلم ولكن أبي قال أنها الكتب الصفراء والحمراء ..فدهشت ُ لأن الكتب كلها مطبوعة على ورق أبيض أو أصفر فاتح فكيف تكون حمراء ؟؟ ضحك صديقي لبراءتي وقال ليتهم يسمعونك ليعرفوا أننا لا نعرف شيئا ً ..فتذكرتُ ما قالتهُ أمي عن جدي وعن سودِ الليالي والجسر ِ السابع ِ والأعور ِ الدجال ِفسألته إن سمع بذلك فابتسم وأومئ برأسه بنعم.
كانت الأيامُ تمضي مسرعة ٌ وكان أبي قد واظب بخجل ٍ في سؤال حاكم التحقيق عن والد حبيبتي الذي لم يظهر إلى يومنا هذا وكل الذي بت ُ أعرفه أن والدي كان حين يزور الأم يبدأ قوله: ما كل ما يتمنى المرء ُ يدركهُ .... تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ .... أما والدتي فشعرت بأن والدي قد جاوز الحد وأن عليه أن يكف عن هذه الزيارات ومضت بنا الرياح حتى أصبحت أخشى الظهور أمام حبيبتي.

مايو 2007
جابي الزمان (5)
كانت تلك الأيام ُ زاخرةً بالأحداث ِ، فقد بدأت بحب ٍ خريفي لملاك ٍ أسميتها حبيبتي فبدأت أكتب مشاعري وأحاسيسي على الورق ، ثم جاء العمل ُ الشتائي كجابٍ في شركة النقل الداخلي، وبعده ُ الانقلاب العسكري في الربيع الرمادي لأحصل على أول درس ٍ في الخوف والرعب في مركز الشرطة، ثم نجاحي الصيفي في امتحانات الثانوية العامة بمعدل ٍ عال ٍ أهلني للقبول لاحقا ً في الجامعة.
أما صديقي الذي كان يظن قبل الامتحاناتِ أنه ُ سيحصلُ على نتائج ٍ جيدةٍ فلم يحظ بمقعدٍ في الجامعةِ بل سِيقَ للخدمة العسكرية الإلزامية، وهكذا بدأ القدرُ في رسم ِ خطين ِ مختلفين لمستقبلينا فبقيت ُ أنا الطالب ُ وأصبح هو الجندي. ثم علمت أن والد صديقي انزعج من تفوقي في الدراسة وأنه مؤمنٌ بتسببي في فشل ابنه وعدم انتسابه للجامعة! ولم أجد حينها أي تفسيرٍ لهذا الرأي السخيف.
بالرغم من اتفاقنا على إبقاء صداقتنا ووفاءنا لبعضنا الآخر فقد بدأت اهتماماتنا تختلف تدريجياً أما رقعة الشطرنج ِ فقد بقيت بنصفيها الأبيضِ والأسودِ قاسماً مشتركاً بيننا لم يتغير.
كنا نجدد الأيام الجميلة بالذهاب مساء الجمعة إلى المقهى، هناك كنا نتبادل الأبيض بالأسود، فنجعل من ملكي الشطرنج شاهدين على إخلاصنا ووفاءنا لأحلامنا التي أصبح يتهددها الخطر.
حينها كنا نضيف لبعضنا خبرات جديدة بما نتبادله من أخبار وأحداث نعيشها في حياتنا اليومية وبما نتحاور به عن تجاربنا فهو الجندي وأنا الطالب الجامعي.
وحينها كان صديقي يسألني عن الحب والحبيبة وعن آخر الأخبار العاطفية وعن القلب المحب وقصائد الشعر لكني كنتُ أشعر بحرج ٍ شديد من هذه الأسئلة إذ لم أكن أمتلك الإجابات المرضية لها!
ترى هل أكون قد أخطأتُ حين أحببت؟
أم أكون قد أخطأتُ حين لم أبح به؟
أم أكون قد أخطأتُ حين قبلت أن أكون طرفا ً في أحداث ٍ غير منطقية؟
كنت حين أعود من المقهى إلى البيتِ تستقبلني والدتي بالتذكير بأهميةِ اللغةِ الإنجليزيةِ وضرورة تعلمها بدلاً من تضييع الوقت في المقهى مع الفاشلين!
وفي مساء ٍ تشريني كنت عائدا ً إلى البيت فجاءني هاجس أن أمر من أمام بيت حبيبتي ففوجئت بالحماة الزرقاء أمام البيت ووجدت في داخلها ورقة بيضاء مكتوب عليها بقلم ٍ عريض: معروضة للبيع !!
فبدأت أراجع ذاكرتي وأشكل الصور بألوانها الحقيقية من جديد ..
تلك الليلة نمت هانئا ً مطمئنا ً لكن عند الفجر سمعت أصوات رجال ٍ خارج بيتنا ينادوني فهممت بالنهوض من فراشي لكي أرى ما الذي يجري ومن الذي يناديني! وإذا بالصمت يطبق من جديد فظننت أنني أحلم، وعدت للنوم مرة أخرى.
بدت تلك الأيام شاحبة وبدت وجوه الناس محتارة وبدأت أعد لزيارة الملاك الجميل لأسأل عن السعر المطلوب للسيارة الزرقاء.
عندما ذهبت إلى بيت ملاكي لم تكن هي موجودة وقالت لي أمها أن هناك من وعدوها بالعمل ِ على الإفراج عن زوجها لكنهم طلبوا مبلغا ً كبيرا ً من أجل ذلك.
وقالت لي أنها حاولت بيع السيارة لجمع المبلغ المطلوب فسألتها عن الذي تتوقعه كثمن للسيارة فلم تجب...
وعدت إلى والدي لأذكره بما وعدني قبلاً في المساعدة على إخراج الرجل من السجن فهز رأسه ونظر إلى الأرض ثم قال أنه قد حاول إخبار الأم بأن زوجها ليس في سجن بل في قصر ٍ وأن الطريق طويل لكنه يوصل إلى النهاية لكنها لم تفهم مغزى قوله ذلك . أما أنا فقد أنذرني والدي بضرورة الامتناع عن التواصل مع هذه العائلة وأن عيون الحرس ِ منتشرة في حينا وأنهم سوف يصحبونني معهم في المرة القادمة لتعليمي الدرس الثاني.
وفي بضعة أيام ظهرت بعض الوحدات العسكرية في الشوارع وسمعتُ مصادمات مع الحرس فأعلنت الحكومة منع التجوال ثم قام الجيش بتجريد الحرس من سلاحهم وعاد صديقي إلى بيته آخر الأسبوع والتقينا يوم الجمعة في المقهى كما هي العادة.
لكننا لم نلعب الشطرنج هذه المرة، وقال لي صديقي ليس علينا أن نستخدم العقل مرة أخرى فقد بان له أن الدنيا حظ ٌ وأن علينا التدرب على استخدام الخدعة والمباغتة.
وعندما سألني عن أخبار الحب والقلب أخبرته أن ليلى لم تعد ابنة عم ٍ لقيس وأن قيس لم يعد يملك ما يكفي من الزهور ليقدمها لليلى، وأن هذا الزمان لم يعد بزماننا...!
إحسان وصفي - مايو 2007
جابي النجاح (6)
واقتربَ الصيفُ لتنتهي السنة الدراسية الأولى في الجامعة، ولم أتمكن فيها من تحقيق ِنتائجَ مرضية في امتحاناتي بسبب اللغة الإنجليزية التي كانت اللغةُ الأساسية لدراسةِ الهندسة، لكني برغمِ ذلك تمكنتُ في نهاية الصيف من النجاح للانتقال إلى المرحلة التالية. أما الملاك الذي كنت أحبهُ فقد بقيّ عندي ملاكاً وأصبحتْ ذكراهُ عندي كالوحي الذي يأتي بالآيات. أما اللغة العربية التي أعشقها، فكنت أحول بها آيات َ الحبِّ إلى قصائدٍ أكتبها في دفاتري أو ألقيها على زملائي عندما يتاح لي ذلك في قاعة نادي الطلبة.
وعاد صديقي من الخدمة العسكرية بعد أن تمكن والدهُ من دفع مبلغٍ من المال كتعويض للحكومةِ مقابل إعفاءه من إتمامِ المدة الإلزامية المتبقية. وحين علمتُ بذلك فرحتُ للوهلة الأولى لأني ظننت أن صديقي سيتمكن بعد ذلك من دخول الجامعة مثلي وسيحقق أمنية والدهِ لكني وجدت أن الأمر مختلف عند صديقي ودار بيننا حوار لازلت أذكره.
(للفشل أب شرعي واحد وللنجاح آباء لا شرعيون كثر) هكذا قال صديقي وأضاف، لقد فشلت في الحصول على الدرجات المناسبة في الدراسة وأنا أبٌ شرعي لهذا الفشل أدفعُ ثمنه، أما غدا ً فسأكون أباً لا شرعي ككثيرين لنجاح نصنعه من خدعةٍ أو مباغتةٍ وسترى أنني سأنجح في ذلك قبل أن تنجح في إتمام دراستك.
في الجامعة كان عليّ أن أتعرف على بعض الأشخاص الذين أصبحوا صوراً معلقة في غرفة حياتي اللاحقة، صورٌ تُشكل ألوانها جزءاً من ألوان الحياة التي كنتُ أعيشها بحلاوتها ومرارتها.
كان أحد زملائي في الكلية التي كنت أدرس من هؤلاء المميزين في حياتي إذ كان ذكيا ً ومهذباً ولامعا ً في اختياراته! وكان عضواً في تجمع طلابي ويهتم كثيراً في الدفاع عن الطلبة الفقراء كما كان حريصا ً أشد الحرص على انتمائي لهذا التجمع.
ولأنني لم أكن أقبل بالنشاطات السياسية أو الحزبية فقد كنت أرفض دعوته لكن بهدوء ولياقة ووعدته بالمشاركة في إحدى فعاليات التجمع من خلال إلقاء القصائد على أن تكون مشاركتي محدودة ومشروطة وتركت التفاصيل إلى حين تحقق الفرصة.
في بداية سنتي الثانية في الجامعة راودتني فكرة اعتبرها والدي قمة في الحماقة وذكرني بحماقاتي السابقة، أما والدتي فقد قالت أنها تقسم بأن والد صديقي هو من عمل سحرا ً لعينا ً من أجل إفساد مستقبلي فقد بدأ يكرهني لأنني كنت أفضل من ابنه دراسيا ً وهو من قال أني جابي عقل ابنه.
أما الفكرة الحمقاء كما وصفها والدي لأحد أصدقاءه فكانت أن أترك دراسة الهندسة في الجامعة وأن أبدأ دراسة الأدب في الكتاتيب، ولأنني كنت أقرأ الكثير عن المتنبي وأحب أن أردد بعضا ً من أبياته فقد اقترح والدي أن يلقبني بالمتغبي. وكان يشرحها على أن المتنبي أراد أن يكون نبيا ً أما أنا فأريد أن أكون غبيا ً.
لكن والدي لم ينصف الحقيقة فأنا أحب كل من أنتسب للأدب وقرأت للمعري كما للمتنبي وأحببت القراءة لكتاب آخرين مثل طه حسين والعقاد وأبي ماضي والسياب ونزار قباني. كما أني لم أعد أجد متعة أو إثارة في تكرار ذات المعادلات الرياضية والتطبيقات الفنية والفيزيائية بل وجدت أن هناك فرصة ٌ للتعامل مع الأدب بأسلوب هندسي! وكما يقولون: جاءت السكرة وضاعت الفكرة.
وفي يوم ٍ تشريني خريفي أعلمني زميلي في الجامعة أن التجمع الطلابي الذي ينتمي إليه يستعد لتنظيم رحلة طلابية، وقال لي أن التجمع قد وجه لي دعوة خاصة للمشاركة في هذه الرحلة ولكي أقوم خلالها بإلقاء بعض قصائدي. ثم نبهني أن لا أخبر أحدا ً عن هذه الرحلة خشية من الشرطة السرية ورد فعلهم فقد يعتبرون ذلك شكلاً من الفوضى أو التمرد.
دعوة زميلي أثارت في نفسي مزيج من الفخر والخوف ومشاعر جديدة من التحدي واستعادة الثقة بالنفس بعد كيل والدي لي لأشكال التقريع والتجريح، إضافة إلى أني لم أسمع قبلاً عن قيام الطلبة برحلات سرية، خاصة أن المشاركين هم طلبة من كليات ومعاهد مختلفة في الجامعة ومشاركتي في الرحلة بدعوة خاصة لإلقاء قصائدي ستكون فرصة لي للشهرة وللتعرف على أشخاص جدد.
كانت التهيئة ُ للرحلة ِ ممتعة وتم طباعة القصائد التي اخترت إلقاءها في مطبعة على نفقة التجمع في كتيب أعد للتوزيع على المشاركين في الرحلة، وحصل ما كنت أتوقعه فقد أخبرني زميلي أن الرحلة ستكون يوم جمعة!
وتحركت الحافلات التي صادف أنها من حافلات شركة النقل الداخلي التي عملت فيها بضعة أيام ٍ في السنة الأخيرة ِ من الثانوية بغية جباية قلب ملاكي الحبيب، وتوجهنا لمنطقةٍ ريفية تطل على الجانب الغربي من نهر الفرات ووصلنا إلى هناك في منتصف النهار وكان الجوُ غائما ً وتوشك السماء على المطر..
في ذلك اليوم لاحظت أنني نسيت ساعتي ومحفظة نقودي في البيت. ولاحظت أن الغيوم تسير مسرعة ً كأنها تهربُ من أحد ٍ يريد أن ينتزع منها بعض الأسرار. وودتُ للحظاتٍ لو أني لم ألبِ دعوةَ زميلي. وبينما كنت أنظر للنهر أفكرُ فيهِ وفي دجلة وفي القدر الكبيرِ من الإلهام الذي وهباه للشعراء وفي هذه التجربة الجديدة التي بدأتُ بها، سمعت صوتها من خلفي كأنه قادمٌ لي ليذكرني بها، فرفعت يدي إلى رأسي كأنني أزيل غباراً عنه. لكنها كانت حقيقة وكانت بالفعل هي الملاك نفسه، فاستدرت نحوها دون أن أرفع نظري عن الأرض وقلت لها ما لا أذكره الآن لكنني أعرف أن سحراً ظهر هناك، جميلٌ كالذي يأتي إلى القلوب من ماء الفرات.
كانت هي الأجمل بين الطالبات اللواتي حضرن للرحلة ذلك اليوم، وقصائد حبي لها هي من ألقيت ُ عند الفرات ومن صفق لأجلها الحاضرون وهم لا يعلمون أنها بين الحضور، وكان كفيها حين يصفقان يطبقان على كل الليالي البائسة التي سهرتها أحلم بانتظار هذه الفرصة.
وعلمت من ساحرتي أنها قبلت في الجامعة لدراسة الفيزياء وأنها أصبحت عضوةً في هذا التجمع الطلابي والذي غلب عليه صفة المعارضة للسلطة ولإجراءاتها. ثم تذكرت والدها الذي شاركني حضور درسي الأول في مركز الشرطة على يد حاكم التحقيق والحرس، فسألتها عنه لكنها أكتفت بأن منحتني صمتها ودمعتها التي تركتها لي على منديلٍ ورقي احتفظت به كذكرى!

مايو 2007
جابي الحرية (7)
غادرت الحافلات مكان التجمع بعد الغروب وكان المطرُ سبباً في تأخر عودتنا وعندما وصلتُ البيت استقبلني والدي غاضباً ومتسائلا ً عن سبب تأخري مع أنها جمعة لا تختلف عن باقي الجمع. وكذلك عبرت والدتي عن قلقها وتساءلت عن سبب خروجي المبكر في الصباح؟ وإن لا زلتُ على صلةٍ بصديقي القديم؟ ثم أعادت لومها لي لإبقاء علاقتي به وأقسمت بأن والده سوف لن يكف عن مضايقتي حتى يطمئن على فشلي في الدراسة، وبقيت مبتسما ً لهما دون أن أنبس بكلمة واحدة وتذكرت أنهما طيبان وهما والدايّ اللذان سأطلب منهما ذات يوم أن يقوما بخطبة حبيبتي لي وثم أن يباركا زواجنا ولهذا فلا يمكنني بعد اليوم أن أضايقهما أو أن أتسبب في إزعاجهما..
ودخلت غرفتي وجلستُ إلى حافة سريري ثم نظرت إلى كفي الذي لامس كفها ومسكتُ كتيبَ القصائد الذي كانت تمسك به هناك وتمنيتُ لو أنها في تلك اللحظة تفعل ذات الفعل وتحس ذات الإحساس. فقبلتُ كفي ولامست الكتيب بحنان.
لم أنمْ وكنت أشك أنها ستنام بل تمنيت أنها ستبقى إلى الصباح مثلي تنتظرُ الخروج إلى الجامعة الصباح التالي.
الصباح التالي كان صباحُ سبت وكان مني ما توقعته هي، هكذا قالت عندما وجدتني مبكراً عند بوابة كليتها أنتظر وصولها وعندما رأتني ابتسمتْ فابتسمتُ وبعد أن ابتعدتْ إلى داخل مبنى الكلية غادرتُ أنا المكان بسرعة مصطحباً معي كلّ انفعالاتي وآمالي لأشحنها من جديد.
بعد ظهيرة ذلك اليوم التقيتُ زميلي الذي كان يبحثُ عني فقال لي أنه سمع كلاما ً طيباً عني من بعض من أتوا معنا في الرحلة، وقال أنه متفائل بشهرةٍ واسعةٍ لي فما ألقيته من قصائدٍ كان جميلاً ومؤثراً. ثم سألني عن الفتاة التي جاءت لتحيتي وثم جاورتني مرات عدة بينما نحن قرب صديقنا النهرُ، فقلت له أنها جارة سابقة وأنني كنت أعرف والدها منذ فترة.
تعجب زميلي من معرفتي لوالدها ولم يصدق بأني اُعتقلتُ معه وأننا كنا سوية في مركز الشرطة أمام حاكمِ تحقيقٍ واحد! ثم فهمتُ من زميلي أن والدها كان مسئولاً كبيراً في حزبٍ سياسيٍ معروف وأن الحرسَ حين قدموا لاعتقاله كانوا يقصدونه وما أخطئوا حين أتوا إليه.
ويبدو أن حاكم التحقيق الذي حقق معنا التبس عليه الأمر ولم تكن التعليمات واضحة عنده فأفرج عنا، لكن الحرس حين اعتقلوه في المرة الثانية باشروا في تعذيبه دون انتظار ونقلوه خلال وقت قصير من مركز الشرطة إلى معتقل آخر جديد يسمى قصر النهاية، هناك حيث لا أمل بالإفراج عن المعتقل ولا أن يعرف له مصير.
جدد زميلي دعوته لي للانتساب للتجمع الطلابي وقال لي أن عليّ أن أقدم للناس منهجاً جديداً في الأدب، فضحكتُ وتمنيتُ لو أنه سمع نظرية والدي عني وعن لقب المتغبي الذي منحني إياه.
وبدأ الربيع وبدأت أعد نفسي كي أكون أكثرُ قرباً منها وحاولت أن أخبرها عن التي أعنيها في قصائدي، لكنها قالت لي أن علي أن أكتب أكثر عن الذي يعني جموع الناس ويهمهم لا عن أثنين فقط يعيشان قصة حب. ثم تكلمت .. ودار حوارٌ معها في نادي الطلبة في كليتها أمام مجموعة من الطلبة الذين سمعوا بي ورغبوا أن ألقي لهم بعض قصائدي.
وأحسست في بعض المرات أنها تلجأ لمغايرة رأيي، ربما كي لا تنسب آراءها لآرائي أو ربما لإغاظتي فعلها فعل أمي مع أبي أو ربما لأنني أنظر بالفعل بين خطين متوازيين فلا أتمكن من رؤية ما خلفهما ولا رؤية الأشياء كما هي عليه وما تأكدت منه أنها كانت تقصد إلقاء الضوء على ما هو مخفيٌ في زمن العتمة، عتمة أتت كأنها غيمة دفعت بها رياح التخلف والتحجر.
لاحظت والدتي اهتمامي بملابسي وبمظهري ووقوفي وقتاً أطولَ أمام المرآة، وشعر والدي بأنني بدأت أطلب منه أكثر من ذي قبل، وكان ردي بأنني لا أطلب المستحيل ولا أريد منه أن يلبي لي ما لا أستحق.
وقبل أن تنتهي تلك السنة الدراسية اتصل بي صديقي وسألني إن كنت أرغبُ في اللقاء به مساء الجمعة لننشط ذاكرتنا الشطرنجية. فالتقيت به وعلمت منه أن والده قد قام بتأجير مخزن له لبيع قطع غيار السيارات، التي أصبحت نادرة ومكلفة ويبدو أن والده بدأ في استخدامه بغرض تحويله من عاطل إلى منتج في هذا المشروع ثم أضاف والده بأن كافأه بشراء سيارة شبه جديدة له مقابل التزامه بنجاح المشروع.
وسألني صديقي عن أية أخبار جديدة عن الحب، فلم أخبره عن لقائي بها بل قلت له أن الحب قد أصبح في خبر كان. أما لقاؤنا فقد كان غريباً بعض الشيء إذ لم نشعر بالشوق في تلك الليلة كما اعتدنا عليه في سابق لقاءاتنا ولا بالدفء في الحوار وشعرت بأن عهد صديقي معي قد انتهى وأن خيوط الود والثقة بيننا تتقطع.
وقبل أن نفترق ذكرني بأن والده لا يزال ينعتني بجابي العقول.
وفي منتصف حزيران أتممنا الامتحانات ونجحتْ هي إلى الصف الثاني ونجحتُ أنا إلى الصف الثالث وشعرنا حينها بأن علينا أن نحتفل سوية للمرة الأولى فأعلمتني بأنها ووالدتها سيستقبلانني في منزلهما الصغير الذي انتقلا إليه بعد أن اضطرا لترك بيتهما السابق.
عندما وصلت إلى منزل ملاكي بادرت بتحية والدتها التي بدا واضحاً ترحابها بي وسعادتها بحضوري، وكنت قد جلبت معي هدية متواضعة لنوضع على الطاولة مصنوعة من فضة فأنا أعرف أن النساء يحببن الأشياء اللامعة. ثم لاحظت بساطة ما قدمته الأمُ من طعام ٍ وشراب ثم تحدثنا عن أشياء كثيرة كالسياسة والمجتمع والهندسة والأدب وفهمت من والدتها أنها علمت من بعض المسئولين أن زوجها قد تعرض للتصفية الجسدية بعد يومين من اعتقاله وأن شهادة وفاة سوف تصدر بذلك.
وجاء الحديث عن السيارة الزرقاء القديمة وعلمت أنها لا زالت في مستودع برهن البيع..
عندما خرجت مساء ذلك اليوم من بيت حبيبتي شعرتُ أنني أخرج من بيتٍ أنتمي إليه وأنني أصبحت فرداً من تلك العائلة من دون إعلان. وهاج في قلبي شوق للسيارة الزرقاء التي أحسست بحبي لها.
في خارج المنزل كان هناك أربعة أشخاص طوقني اثنان وسار الثالث إلى الأمام والرابع في الخلف وأدركت أن موعد الدرس الثاني قد أزف.

مايو 2007
جابي السعادة (8)
في ذلك المساء أحاط بي أربعة رجال ساروا بي كما لو كنتُ عريساً أزفُ لعروسي! لم أتعرض لضربٍ أو إهانةٍ، بل لتهديدٍ ووعيد سمعتهما في سياق حديثِ أحدهم لي!
ثم شرحَ لي هذا الشخص أن واجب الحكومة هو التأكدَ من سلامتي وعدم تعرضي لأي مضايقاتٍ من أي جهة كانت، كذلك التزامي بتنفيذ جميع التعهدات!
في البداية ظننت أنهم أخطئوا واشتبهوا بي في أنني شخصٌ آخر إذ لم أفهم ما هو القصد من كلمة تعهدات، لكنه ومن سياق الحديث فهمت أن القصدَ هو الإقرار الذي قدمته لحاكم التحقيق قبل سنتين مقابل إطلاق سراحنا أنا ووالد ملاكي.
كنا نمشي وكنا نتكلم وحين يسألني كنت أجيبه من غير أن أفهم ما الذي يجري؟ ولماذا نمشي؟ ولا إلى أين؟ ومثلنا مشى الظلام ليحتل جزءاً أكبر من مساحة الزمان، هكذا حتى وصلنا إلى منطقة تسوق وسط حي شعبي يستبدل اسمه مع استبدال الحكومة.
كان الباعة المتجولون يتهيئون لمغادرة السوق والعودة إلى منازلهم. فبدأت أشم رائحة قرفة لازلت أشمها كلما تذكرت تلك الأيام ثم شعرت بالغثيان وأن الأرض غير مستوية وأكاد أتهاوى.
أغلبُ ظني أن هؤلاء الأربعةِ هم موظفون جدد في جهاز الأمن العام أو الشرطة السرية ويبدو أن أحد المسئولين قام بمراجعة بعض الملفات القديمة وصادف أن كان ملفي منها فوجد الإقرار، ثم قرر استغلاله لتدريب هؤلاء فكان ما كان.
في ذلك اليوم فهمت أن التوقيع هو ليس مجرد خط قلم بل مسئولية، وأن ما يكتب على الورق ليس ما يقال باللسان، وأن التوقيع على الإقرار نقلني لمرحلة الحساب أمام مختلف السلطات بحجة مخالفة القوانين والأنظمة، أو التحريض على أعمال الشغب والعصيان!
ومضت إجازة الصيف ليمضي معها قدرٌ كبيرٌ من صبري واحتمالي، كما غضب مني والدي أكثر من مرة من دون أسباب أو لأسبابٍ وجدتها تافهة وتدخلت والدتي لحل الأزمة أكثر من مرة، أما صديقي الذي كنت أواصل صحبته لي بغرض الإبقاء على مهارتي في الشطرنج فقد بدأ يختفي تدريجياً مع احتفاظنا باللقاء في نفس المقهى .
مع بداية السنة الدراسية التالية وجدت ملاكي نفسها ضمن مجموعة دراسية من أربعة طلاب، هي وطالبتين جميلتين مثلها وطالبٌ رابع أصبح مع الوقت الطامة الكبرى في حياتي!
كان هذا الطالبُ مختلفاً عن الآخرين في نواحٍ عديدة، فقد بدا مخنثاً وذو طباعٍ غريبة وخمنت ذلك من طريقة مشيه وألوان ِ ثيابه وطريقة تحدثه.
كان قد عاد مؤخرا من أوربا بعد أن رافق والده الذي عمل سفيراً هناك لكنه كان متفوقاً في الدراسة وفي اللغة الإنجليزية التي أجاد لكنتها.
ثرتُ حتى بدوت مجنوناً وثار معي كل ما ينتمي إلي من قصائد ولم أتقبل فكرة أن تكون ملاكي ضمن فريق مجموعةٍ فيها شابٌ مخنثٌ.
لاحقاً أخبرتني وعلمت أن سعادة السفير السابق حصل على فرصةٍ ليصبح معالي الوزير، وأن معاليه يملك ما يكفي ليمتلك أكثر من سيارةٍ لذلك تكرم بمنح ابنه المتفوق سيارةً بسائق ليتم توصيله من وإلى الجامعة.
ومع الأيام بدأت المجموعة بالخروج من الجامعة بسيارة الزميل الأحمق. فلم أتقبل فكرة مزاملة حبيبتي لأحمقٍ كهذا ووجدت أن مجرد ركوبها في سيارته هي إهانةٌ وعدم احترام. أما تبريراتها فلم تكن مرضية ولم أصدق أبداً أنها بحاجة لأن تتعلم من مخنثٍ أي شيء. أما هي فقد كانت عندي متفوقة في كلّ الدروس وأهمها درس الحبّ الذي جعل مني شاعراً مميزاً أما هو فقد كان في نظري مومياءاً محنطة مسلوبة التفاصيل.
لم يكن مستساغاً عندي أن تقف حبيبتي مع ابن الوزير أو مع هاتين الساذجتين في الباحة الخارجية للكلية أو عند النادي. ولم أفهم الرابط بين فتاة فقدت والدها بسبب التزاماته السياسية وشاب اعتاد العيش في خارج البلاد بسبب ارتباطات والده الوظيفية.
وشعرت أن فجوة بيننا بدأت تتسع وأنني وقعتُ في شراكِ الشكِ الأسود الذي أصبح يأتيني كل مساء ليتحولَ الشكُ إلى شقٍ يزداد اتساعا، فطلبتُ منها أن تمتنع عن مصاحبة هذا الشاب ثم وسعت دائرة طلبي لتشمل الزميلات الأخريات.
وظهر العناد إلى السطح ليغطي مشاعر الحب الجميل الذي استفحل بيننا في السنة السابقة، عناد لم أفهم سببه فأنا فيه أكون قد اختصرتُ أحداث الدنيا في حدثٍ واحد وهي فيه تكون قد اختصرتْ كل معاني الكلمات في كلمة واحدة.
احتشدت كتاباتي وقصائدي في كتيبات صغيرة تصدر عن التجمع الطلابي من دون ذكر اسمي، وبدأت أميز كتاباتي إلى مجموعتين إحداها تنتقد السلطات الحكومية وتتكلم عن المواطن المضطهد وإحداها تنتقد ابن الوزير الأحمق وتتكلم عن العاشق المضطهد.
في الشعر تقفز الروائح إلى الأعلى وتكنى النساء القبيحات بأحلى الصفات ويكتفي الرجل بأن يلتصق بمن يحب كأي أحمق. وهكذا بدأت أضيع في تأملي لها ثم أصبحت من دعاة ما لا ترضى به، فقط لأقول لها أننا مختلفان!
ثم أظن أنني نسيت دراستي، وبقيتُ أفكر فيها فرميتُ كل كتبي وأصبح همي أن أرقبها حين تأتي إلى الجامعة وحين تخرج.
في تلك الأيام كنت أعيش فيلماً عربياً قديم، حيث يجلس العاشق على حافة النهر وحين يتذكرها تتشابك الأيدي وتتلاقى نظراتهما في هيام ثم يبدأ الهمسُ ليُسدل الستار.
ديسمبر 2008
جابي الدموع (9)
كنا في المقهى نلعبُ الشطرنجَ عندما أخبرني صديقي أن سقوطَ الطائرةِ الرئاسيةِ ومقتلَ الرئيسِ وعددٍ من مرافقيه، كان أمراً مدبراً، وأن المعلومات المتضاربة حولَ الحادثِ، يقصدُ منها التمويهَ عن الجهةِ الحقيقية التي كانت وراءه. وأكد لي صديقي أن ادعاءات البعض بأنهم هم الذين نفذوا هذه العملية هي بغرض إضافة رصيد سياسي لهم وأنها ادعاءات غير صحيحة.
في ذلك المساء لمستُ من صديقي اهتماماً في انتقاء كلماته وجديةً في التعامل مع الخبر، مما شجعني أن أسأل أكثر خصوصاً أن تطورات غريبة طرأت على الأحداث زادت من اشتياقي لمعرفة أدق التفاصيل، فقد علمتُ أن معالي الوزير والدَ الطالبِ المخنثِ الأحمق، زميل حبيبتي في الجامعة هو أحد المشتبه بهم في المشاركة والتدبير لهذا الحادث.
مع أني مُنيتُ في تلك الليلة بأكثر من خسارة في الشطرنج فأنني اكتشفت هوايةً جديدة في نفسي استلذذت بها وهي تذوق الأخبار، وحين خرجنا من المقهى أضاف صديقي مفاجأة لسلة مفاجآت تلك الليلة، فقد استبدل سيارته بأخرى جديدة.
أنا لم أمتلكُ سيارةً بعد حينها بل حتى والدي لم يمتلك سيارةً ولم يحمل رخصة قيادة، إذ كان من دعاة المشي والجري واستخدام الأرجل مع أنها رياضة مفيدة للصحة إلا أنني لم أعترف بصدق هذا الإدعاء كما كان يغمض عينيه حين يرى أي من الجيران وهو يستخدم سيارةً خاصة، ويهجو أي من الأقارب الذين يفكرون في شراء واحدة. في حين أصبح لعائلة صديقي سيارتين!
ثم دعاني صديقي للركوب في سيارته، فشممت رائحة الجلد الجديد فبدا لي كل شيء مختلف ثم قال أنه يستعد لشراء ما لا يخطر ببالي. وأدار محرك السيارة واتجهنا لمنطقة صناعية ليريني ما لم أتوقعه أبداً ، كانت السيارة القديمة الزرقاء تلك التي ناصبتني العداء ذات يوم ثم أحببتها يوماً آخر وقد توقفت أمام ورشةٍ لإصلاحها وتأهيلها لتصبح جاهزة للنزول إلى الشارع!
وقال صديقي أنه قام بتوسيع أعماله لتشمل أعمال صيانة وتصليح السيارات وليس فقط تجارة قطع الغيار.
لم أنم ليلتها فقد عرفت أن الشرخ بيننا أنا وصديقي قد صار كبيراً وأن المشوار أمامي صار طويلاً وأن كل جهودي من أجل الحصول على شهادة جامعية في الهندسة سوف لن تؤتي بثمارٍ تستحق مني الانتظار لقطفها.
ثم نهضت من سريري وفتحت علبة دخانٍ كنتُ قد أخذتها من زميلي في الكلية بأمل أن أمنعه من التدخين. سحبت منها سيجارة تافهة وأشعلتها لأستنشق لأول مرةٍ في حياتي الهواء الملوث بطريقة الهنود الحمر. شعرتُ أن الدمعةَ تقفز من عيني إذ كنت قد أقسمت قبلاً لأمي بأن لا أدخن طول العمر.
اليوم التالي كان السبت فذهبت إلى الكلية كعادتي لكني عدت مبكراً وجالست والدتي وقتاً أطول من المعتاد، ربما لإحساسي بالذنب من التدخين، ثم أخبرتها عن لقائي بصديقي وعن توسيع أعماله في تجارة قطع غيار السيارات والبيع والتصليح. وأخبرتها عن سيارته الجديدة وكان من الواضح خوفها أن أذكر شيئاً عن والد صديقي الذي كانت تحذرني منه.
عندما عاد والدي في المساء بلغه من والدتي بعضاً مما أخبرتها فجن جنونه وبدأ ينعت صديقي بصفاتِ سيئة وكان واضحاً أنه لم يتقبل الأمر وعاد يلاحقني بتهكماته وسخرياته وانتقاداته اللاذعة كما لو أنه لم يكن راضياً عني وعن تطور الأمور معي.
في تلكَ الأيام كان الربيعُ في نهايته وأوشك على حملِ حقائبهِ ليغادرنا ككلِ عام تارك بدلاً عنه صيفاً لاهب.
كان قد بقى أقل من شهرين لانتهاء السنة الدراسية حين جاءني زميلي في التجمع الطلابي ليدعوني للمشاركة في تظاهرة ثقافية ولألقي فيها بعضاً من قصائدي وكتاباتي. حظيت بعد هذه المناسبة على المزيد من المعجبين والمعجبات وأدركت أنني مقدمٌ على مواجهة مع بعض الأشخاص الذين لم ينسوا أن لي تعهدات مكتوبة وموقعة وفعلاً جاءني من يحذرني بأن الامتحانات على الأبواب وأن عليّ أن لا أستفز من يمكن له اعتقالي أو سجني أثناءها.
كنت قد امتنعت لفترة من الاتصال بحبيبتي أو التحدث معها وأحسست بأنها ترغب في هذا التمنع وتريده مبرراً لتواصل هي بدورها مقاطعتي بالرغم من أنها تعرف تقدمي في النشاط الثقافي للتجمع الطلابي.
في تلك الفترة لم أسمع منها أي ثناء أو تشجيع ولم يبق على نهاية السنة الدراسية تلك سوى شهران فإذا بحبيبتي تظهر فجأة في نادي كليتي.
وفي لحظة رائعة توفرت الفرصة لتتقاطع نظراتنا ثم وجدنا نفسينا نقترب أكثر لننسحب لكلينا كأننا قطبين جاذبين ثم وجدتها تمسح دمعتين راقتا من عينيها لصفحة مرمرية بيضاء، دمعتين ذرفتهما بلا تمهيد.
وكما عرفتها قبلاً أنها بريئةٌ لا تجيد الخداع، عرفتها ذلك اليوم أكثرُ براءةً فرق قلبي، وجلسنا سويةً نقلب أوراقَ ذكرياتنا فاعترفت لي بعنادها وقالت لي أنها أصبحت تكرهُ هذا العناد، العنادُ الذي يخلق الحزنَ ثم قالت لي أنها تعرف بأن غضبي منها قد كبر وأن هناك ما يبرره. ثم قالت كلاماً آخر لم أفهمه تماماً لكنه أثار في داخلي غرائزاً كانت مستترة.
جنون النساء جائزةٌ تمنح للرجال الأكثرُ حباً وصبراً لنيل ما يريدون. وهكذا بقيت أفكر في حروفها وكلماتها وجملها وأستمد من لحظاتي معها ما يجعلني أكثر استنهاضاً لرغباتي الممهورة بغيرتي.
في تلك الظهيرة خرجنا من كليتي واتجهنا مشياً إلى بيتها ووصلنا قرابة الغروب وفي الطريق أخبرتني عن معالي الوزير والد زميلها، وقالت أن معاليه محتجزٌ في بيته وأن هناك تغييرٌ وزاري محتمل.
كنت ألاحق الحبَّ من موقع لآخر وأدفع به من زاويةٍ لأخرى، مدافعاً عن نفسي رغماً لكنه كان يهرب محتمياً خلف القَدر الذي شاء أن يكون في غير صفي.
وقبل أن نفترق قالت لي أنها تستيقظ كل صباح غير مطمئنة من القادم المجهول، وأنها تخاف أن تكتشف أمراً يجري في السر ِولا تعلم عنه شيئاً أو أن تفاجئها الأحداث.
في طريق العودة إلى بيتي تذكرتُ الحديث عن سود الليالي فعزمت أن أسأل والدتي المزيد عن هذا الأمر.

إحسان وصفي - ديسمبر 2008
جابي المستقبل (10)
كان والدي يقول أن للرجلِ حدوة ٌ كالحصان لكن من جلد أما المرأة فحدوتها من ذهب!
وكان والدي قد نشأ في طفولته المبكرة في بيتٍِ غني، غير أن والده الذي هو جدي خسر كل ثروته في تجارة الوَرَقْ والسُكَرْ بعد أن غمرت مياه الأمطار المخازن التي كانت تحتويها.
أما جدي فكان كما قالت عنه جدتي، رقيقَ القلبِ ولم يتحمل القهرَ والمعاناة التي عاشها بعد الخسارةِ فسقط في شباكِ الإدمان على الخمر، وصارت حالتهُ تسوء يوماً بعد يوم حتى مات مبكراً.
قبل أن يموت جدي بأيام أمر والدي بترك الدراسةِ والاكتفاء بتحصيله الابتدائي وأن يعمل في محل للحلويات. لكن والدي كان إنساناً مجتهداً وأبى الاستسلام فحاول أن يحصل على فرصاً أخرى، لذلك ترك صناعة الحلويات ليعمل موظفاً بسيطاً في الجمارك ثم مأموراً في محطة تابعة لمؤسسة السكك الحديدية ثم أميناً للمخازن ثم موظفاً في وزارة الصحة حتى آل الأمر أن يعمل في صيدلية المستشفى المركزي وفيها تعلم مهنته الأخيرة حيث عمل مساعد صيدلي في صيدلية يملكها صديقاً له تقع في وسط المدينة.
أما والدتي فقد كانت امرأة متعلمة وذكية، ومنها تعلمت حب اللغة العربية وبسببها كرهت اللغة الإنجليزية. حب اللغة العربية كان بسبب كتب قصص الأطفال والمجلات التي كانت توفرها لي. أما كراهية اللغة الإنجليزية فكانت بسبب إلحاحها وتكرارها النصيحة مع أنها لم تجيدها بل لم تعرف حتى نطق حروفها مما جعلني أتقيأ لمجرد تذكري بأن علي تعلمها.
بعد نهاية السنة الدراسية الثالثة ومع بداية إجازة الصيف، بدأتُ أستمتع بقراءة الجرائد والمجلات السياسية وأزيد من إطلاعي على الأوضاع في البلدان المجاورة. وكان حديث صديقي عن حادث الطائرة الرئاسية التي سقطت في جنوب البلاد والأسلوب الذي عبر فيه هو المفتاح الذي فتح صندوق استمتاع لم أكن أعرفه من قبل. ويبدو أن تجربة صديقي في التجارة في قطع غيار السيارات أعطته درساً في بيع الكلام والسياسة.
ثم بدأت أخصص مبلغاً من مصروفي اليومي الذي يمنحني إياه والدي لشراء الجرائد والمجلات بغض النظر عن توجهاتها السياسية. وصادف في ذلك الصيف أن تجري نهائيات كأس العالم في كرة القدم في إنجلترا ولاحظت اهتمام أجهزة الإعلام بما يجري في هذه النهائيات وخصوصاٍ بين إنجلترا وألمانيا إذ بدت تلك المباريات كأنها معركة من الحرب العالمية الثانية التي قال عنها والدي بأنها حرب ناقصة.
في تلك الأيام لم يكن متاحاً لنا مشاهدة المباريات على التلفاز لعدم وجود بث فضائي، واستعنت بالمذياع لأعرف أكثر عن النتائج.
وجاء فوز إنجلترا بكأس العالم في ذلك العام دافعاً كي أقرأ أكثر عن البلاد التي كادت ذات يوم أن تمتلك الشمس!
وفي أحدى الأمسيات عاد والدي من الصيدلية وجلس معنا في الحديقة الخلفية وكنت أنظر لحذائه الجلدي اللامع فتذكرتُ حدوته..! ثم قررت أن أبوح له عن رغبتي الجديدة في إتمام دراسة الهندسة لأحصل على شهادة الدكتوراه! فلمحتُ بريقاً في عينيه وابتسامة ممزوجة بخوف.
لم يتوقع والدي أن يسمع مني مثل هذا المقترح لكني شعرت بأنها المرة الأولى التي يشعر فيها والدي بسعادة حقيقية مني. وفي تلك الأمسية قال والدي أن العناوين الكبيرة تكون عادة بعدد حروفٍ أقل لذلك لا تتحدث عن مشروعك هذا مع أي شخص وخذ الوعد مني أن ألتزم بتحقيق أمنيتك ما دمتُ حياً.
كل من يعرفني كان يظن بأني الابن الوحيد في العائلة ولم يسألني أحد عن عدد أخوتي أو أخواتي أو إن كانوا أكبر مني أو أصغر ربما لأني لم أتحدث عن هذا الأمر من قبل، أما زميلي في الكلية فقد قال لي أنه يحسدني لأنني وحيد أهلي ولا يوجد أطفال في البيت ممن يسببون الفوضى والضجة فإخوته لا يدعونه من القراءة والدراسة بهدوء. والحقيقة فأنا لي أخوين أكبر مني وأخت واحدة أصغر.
وجلست مع والدتي لتحدثني بما تعرفه عن الجسر السابع فقالت لي:
أن هناك كثيرٌ من الأخبار التي وردت عن الأجداد وقد سجلت من قبل المهتمين والدارسين وهذه الأخبار هي عن أحداث قد تتحقق إن توفرت ظروفها وقد لا تتحقق إن عمل الناس على تجنب حصولها. ومن هذه الأحداث خراب المدينة بعد أن يقام فيها جسراً سابعاً على النهر. ثم قالت أن الحكام السابقين الذين كانوا يخافون أن يأتي الخراب على المدينة تخوفوا بالفعل من قيام الجسر ولكن الأعداء يعملون على أن يأتي من يقوم بذلك.
لم أفهم الربط بين الأعداء والجسر السابع لكني حاولت أن أناقشها فيما طرحته من رأي بما يوحي أن الأعداء يؤمنون بهذه النبوءة. لم تقبل النقاش وقالت لي أنها تخافُ كثيراً أن تتحدث في هذا الموضوع لأن الحديث فيه من أسباب تعجل حصوله.
وسألتني والدتي عن أخباري مع ملاكي فأخبرتها بأن التي أحبها لا تريدني أن أفكر في إنجلترا أو في السفر إلى الخارج بغرض الدراسة لأنها إن صاحبتني في مشواري ستضطر لترك والدتها، وهذا ما لا تريده.
ثم قالت والدتي كلاماً جميلاً عن الحب أسعدني لأني لم أسمعه منها من قبل فقالت: ما أجمل أن يكون لديكَ إنسانُ إن غبت يسال عنك، وإذا بعدت يقترب منك وما أجمل أن يكون لديك في الدنيا من يخاف عليك ويحبك ويرعاك، أن يشاركك الفرح والسعادة والألم وما أجمل أن تندمج روحكما معاً فتصبحان قلباً وعقلاً واحداً، تفرحان معاً وتحزنان معاً وتتألمان معاً. ثم قالت لي أن أحافظ على الحبِ فهو من سيعينني على الصبر عند الشدائد!
وانتهى الصيف لتنتهي معه كل محاولاتي في إقناع حبيبتي بجدوى الخروج من البلاد فور إتمام دراستي الجامعية والذهاب إلى إنجلترا بغرض مواصلة الدراسة من أجل الحصول على الدكتوراه، تلك التي وعدت والدي بالحصول عليها.
مع بداية العام الدراسي الرابع والأخير لي في الجامعة تسارعت الأحداث في المنطقة وشعرت بأن العالم أصغر من قرية وفي يومٍ تشريني تعرضت إحدى البلدات في بلدٍ مجاور لهجومٍ عسكري أودي بحياة عدد من الناس وتم نسف كثير من منازلها.
وبدأ المذياع ومن حين لآخر بترديد الأناشيد الوطنية الحماسية وقال المذيعون للناس أن الجيش قد أقسم على تلقين العدو درساً لن ينساه.
وهكذا غنوا يومها: راجعين بقوة السلاح، فدبت الحماسة في قلوب الشباب وظهر الأبطال في الشوارع ووجدت نفسي ضائعاً بين هدفين أحدهما الانتهاءِ من الدراسة والترتيب لإكمال دراستي في الخارج وبين مواكبة الأحداث والقفز على منصة الحماسة والمشاركة في صناعة النصر جسداً أو شعراً.
ثم اتصل بي زميلي في التجمع الطلابي وأعلمني بضرورة التحضير لفعاليات في الجامعة لنبرهن من خلالها على معارضتنا لتوجهات الحكومةِ في إغفال حقوق الطلبةِ المعوزين فاستغربت لموقف التجمع من الأحداث العظيمة وإهمالهم فرصة المشاركة في النصر العظيم! ثم طلبت منه أن يمهلني الوقت لأنني بحاجة لوقتٍ أطول مع والدتي التي أتعبها المرض.

ديسمبر 2008
جابي الكرامة (11)
كنتُ مواظباً على الاستماع لكوكبِ الشرقِ عندما تغني أول خميس من كل شهر، حيث يتم بث ما تغنيه مباشرة عبر الإذاعة، وكنتُ حريصاً أشد َ الحرصِ على الاستماع ِ لتسجيلات تلك الأغاني التي أجدها لدى صاحبُ المقهى، الذي ألتقي فيه بصديقي من حين لآخر لنواصل صداقتنا ولنلعب الشطرنج أيام الجمع ولألتقي أحياناً بزميلي في التجمع الطلابي خلال أيام الإسبوع.
حين أكون في المقهى أشعر أنني أعرف كوكب الشرق منذُ زمنٍ بعيد، وأن هناكَ أمورٌ كثيرة ٌ تجمعنا، منها عشقنا للشعر وحب الوطن، وكذلك المقهى فهي تصدح بأغانيها هناك أما أنا فأسمعها وأطربُ لها.
وكان لهذا المقهى مدخلٌ من جهة شارعٍِ طويلٍ ومعروف لأنه يحمل اسم واحدٍ من أشهر الخلفاء العباسيين والذي في عصره ازدهرت مدينتنا المدورة، أما الجانب الخلفي فيطل على شاطئ دجلة النهر. وكان رواد المقهى شباباً معروفين ووجوههم مألوفة للعاملين فيه، وكان أغلبهم من طلبة المدارس الثانوية والجامعة ويسكنون المناطق المحيطة حيث لا توجد مقومات الدراسة في بيوتهم.
بعض الشباب ممن يلتئم ُ في المقهى ليس لتحضير الدروس بل للقاء بأصدقائهم والتشاور في أمورهم وتبادل أفكارهم وتجاربهم. أما من يهتم بالشطرنج والغناء ِ والشعرِ فقد كانوا قلة ً. لكن هذه القلة قد تكون خطرةٌ في عين السُلطة لأنها ترى بطريقة أخرى غير تلك التي نرى بها نحن.
في بداية ذلك الشارع الطويل المشهور كان هناك مقهى آخر ، لكنه كان مجمع لفئة من الناس أكثر ثراءً وارستقراطية ولطلبة الكليات والطبقة المثقفة والأدباء والشعراء، وممن يلتقون ويحلقون حول طاولات محددة لأدباء وسياسيين بعينهم ليتبادلوا أخر أخبار الأدب والثقافة والفن وطاولات لا تخلوا من تحاورات سياسية.
وصادف أن أعلن العدو في أول أربعاء من نيسان ذلك العام بأنه قد قرر أن يرد بما يجده مناسباً على الهجمات التي يتعرض لها وكان الاتجاه العام يميل للتصعيد العسكري.
اليوم التالي كان أول خميس من نيسان وغنت فيه كوكب الشرق رائعتها الأطلال:
يا فؤادي لا تسل أين الهوى كان صرحاً من خيالٍ فهوى
اسقني واشرب على أطلالهِ واروِ عني طالما الدمعُ روى
كيف ذاك الحبُ أمسى خبرا ً وحديثاً من أحاديث الجوى
ورغم قرب الامتحانات النهائية لكني جلست مع صديقي في المقهى في اليوم التالي أي الجمعة لنلعب الشطرنج ولنستمع للأطلال كما عشقناها، لكننا فوجئنا بخبر عاجل من المذياع فسادت حالة من الوجوم والتوتر على وجوه من في المقهى، لأن الجميع لم يدركوا ماهية هذا الخبر المهم، فتجمعوا حول المذياع حينما بدأ المذيعُ بإعلان خبر إسقاط العدو لستة طائرات ميغ على خلفية تصاعد التوتر.
بعد أحداث السابع من نيسان بدأت المؤشرات والتوقعات تلوح بقرب الحرب وزادت العمليات ضد قوات الاحتلال فرد العدو بالتهديد بأن الأسوأ لم يأت بعد!
فتذكرتُ حديث والدتي عن سود الليالي وبدأت أراجع الأحداث فعدت لصديقي الذي لم يتمكن من تحقيق نتائج طيبة في أعماله التجارية خلال الشهرين الأخيرين فسألته عن الجسر السابع وهل أنه قد سمع عن هذا الجسر من والده، فقال لي صديقي وهو يبتسم : لقد سألته مرات كثيرة ويجيبني في كل مرة جواباً مختلفاً وكان آخر جواب له أن زعيم المغول بعد أن أحتل المدينة المدورة قرر أن يبني جسراً ليعبر عليه وقبل أن يموت قرر أن يهدمه كي لا يعبر عليه غيره.
ثم قال لي صديقي: أحب أن أفاجئك بخبرٍ، لكني لا أحب أن أسعدك به قبل أن تدفع حساب المقهى، فما رأيك؟ فقلتُ : لو أسعدني فسأدفع بكل سرور، لكني لا أتمكن أن أدفع هذه الليلة فأنا لا أملك ما يكفي لأن أدفع حساب اثنين! فقال صديقي: لقد اخترتَ أنت أن لا تدفع واخترتُ أنا أن لا أخبركَ ، لذا دعنا نؤجل الموضوع لمناسبة أخرى لكني سأخبرك في الأخير بأي حالٍ من الأحوال!
ثم بدأت الأحداث تنزلق بسرعة كبيرة كأنها كرات ٌ تتدحرج من علوٍ شاهق ومع هذه الأحداث كانت الأيام تنزلق أيضاً على رقعة الأبيض والأسود وتتبدل بسرعة عجيبة أيضاً. وجاء في الأخبارِ خبرٌ بسيط ٌ جداً لكنه كبير المعنى وكما قال والدي فأن العناوين الكبيرة تكون عادةً بعدد حروفٍ أقل : سنطردهم إلى البحر، لكن والدي أستطرد فقال : لا تتحدث عن مشروعك مع أي شخص لكني ما لا أفهمه مع هذا الخبر لم يتحدثون عن مشروعهم في الجرائد؟! فلو أنهم صادقون في ما ينوون فعله لبقوا صامتين!
كنت مصمماً على النجاح من الدور الأول وعلى عدم تأخري في السفر بعد التخرج وجلست مع نفسي ذات ليلة لأحسب ما لي وما علي فوجدت أنني مثقل بالأسئلة ولا أحمل ردوداً كافية، ثم شعرت أنني أسرعتُ في إخبار أهلي برغبتي في إكمال دراستي، وشعرت باستياء ٍ شديد من فكرة مغادرة الوطن في الوقت الذي يبدو بأنه في حاجة للجميع، ثم وجدت نفسي أدور في دوامات مختلفة لا أول لها ولا آخر وأخيراً تثاءبت فلجأت لفراشي وأنا أفكر بملاكي الذي أبى أن يرتبط بمشوار الغربة وتركني معلقاً بين رغباتٍ متناقضة. فقمت من على الكرسي أردد ُ من الأطلال:
أيها الساهرُ تغفـو تذكر العهدَ وتصحو
وإذا ما التأم جُرح ُ جدَّ بالتَذكارِ جُـرح ُ
فتعلَّم كيف تنسـى وتعلَّم كيف تمحـو
وتأملت سقف غرفتي الذي أتخيله دائماً كرقعة الشطرنج، وبدأت ألعب متخيلاً قطع الشطرنج المختلفة كأنها معلقة بسقف الغرفة ثم إلتفتُ إلى يميني ومددت يدي حيث مفتاح الكهرباء وأطفأت النور.

يناير 2009
جابي الحقيقة (12)
كنت في كل صباح أتذكر أن رغبتي في السفر إلى أوربا جاءت بعد اكتشافي حقيقةً مؤلمة هي أن أحمقاً مثل ابن معالي الوزير يمكن له بين ليلةٍ وضحاها أن يقتحم حياةَ الآخرين ويحوّل حبهم الجامح إلى إحساسٍ بالقهر وشعورٍ بالنقص.
ثم بدأتُ أفكر فيما يجري بعد أن شعرتُ أن الأيامَ نفسها بدأت ترزحُ تحتَ أثقال التحدي، وكانت الأجواء التي سبقت الامتحانات النهائية مفعمة ً بالانفعالِ والاستنفارِ والحاجةِ لتفريغ الغضبْ، وتجمع عدد ٌ كبير ٌ من طلبة الكلية في قاعة النادي ليناقشوا ما الذي يجري وليبحثوا في الأحداث كما لو أنهم أحرارٌ بالفعل فالأمر يعني الجميع والكرامة فوق كل شيء، أما آذان وعيون وأنامل الشرطة السرية فقد كانت منتشرةً بين صفوف الناس ومهمتها الانقضاض على أي جهةٍ تقدم على فعلٍ قد يظنون أنه شغب ٌ يقصد منه خلخلةً في النظام.
ولاحظت في حينها أن البسمة َالتي أعتدت أن أراها على وجوه ِالطلبة ِ بدأت تميلُ للأصفرِ أكثر فأكثر، ربما خشيةً من المجهول وربما للنقص في الثقة في القادم وربما أيضا ً لقرب الامتحانات. أما البعضُ القليل ممن يرغب في ركوب موجة الوطنية فقد راح يتلاعب ليجد فرصته حين حيرة الباقين في الواجبِ فعله.
وجاء البعض باقتراح للطلب من عمادة الكلية تأجيل ما تبقى من الامتحانات النهائية، وعرضوا الاقتراح على أنه حماية لمصالح الطلبة الذين أصبحوا منشغلين في متابعة الأخبار، ولما سألوني الرأي اعترضتُ على التأجيل.
وراحت الإذاعة تكثر من بث الأناشيدِ الوطنية وارتفعَ مؤشر الحماسة إلى حدٍ عظيم كي يكون الكلُ واثقاً من النصر.
ثم وجدتُ أن الكثيرَ من الناس ممن أعجبوا بالجوهرة السوداء البرازيلية جعلهم إعجابهم يتخيلون أنفسهم مثله، وأن الحياة مثل مباراة كرة القدم، بمنطق ِ أن أي فردٍ منهم قادرٌ على تحقيق الفوزِ لفريقه بمفرده من خلال المراوغة وتسديد الأهداف، ولأن الخصمَ كان فريقاً صغيراً في عينهم فقد ظن الكلُّ أن الفوز آتٍ خلال أيامَ معدودة. ونسوا أن الفريق يأتي من إعدادٍ طويل.
هكذا كانت الناس وهكذا تصرف أبطالُ ذاك الزمان وأشاعوا أن البحر قريب! وأن المشوار لن يطول ولن يستغرق سوى ربع ساعة على الأغلب.
وتكرر اجتماع الطلبةِ في نادي الكلية وفي المرة ِ الأخيرة تصرفت بطريقةٍ مختلفة فقد ذكرتُ في الاجتماع عندما طلبوا مني التحدث أن السلطةَ القائمة لا تنوي المشاركة في الحرب حالها حال غيرها وقلت أن كل ما يجري هو مجرد مسرحية يقوم بها العساكر فدعوهم في مسرحيتهم أما نحن فدعونا نواصل دورنا في حب الوطن والإخلاص للشعب ولا يجب علينا أن نكون طرفاً في أمرٍ مشبوه وما أشبه اليوم بالأمس فتذكروا ما فعلوا قبل عشرين عاماً.
لا أعرف كيف انطلقت مني الكلمات لكني أعرف أنها كانت صائبة الاتجاه ولا أعرف من أين جاءت اللكمات لكني أعرف أنها كانت موجهة إلى وجهي وأجاد فيها موجهها التوجيه ليقترب أكثر من تحقيق الضربة القاضية الفنية.
وعرفتُ أنني فتحت أبواب جهنم عليّ وأن من يؤيدني في الرأي هم قلة ٌ ثم تشابكت الأيدي وفض النزاع بين الحضور بعد قليل وذهب كل ٌ في سبيله. وفي اليوم التالي توجهت إلى الكلية لكن أثر اللكمة كان بادياً على وجهي، وتجاوزت حرج الموقف خشية أن يؤثر الأمر على الامتحانات وأخبرني زميلي في التجمع الطلابي أن من ضربني لم يكن من طلبة الكلية وأنه بالتأكيد من أفراد الشرطة السرية الذين بدأوا بالترصد لي.
وبعد ذلك بيومين أخذوني إلى مخفر شرطة وهناك قالوا لي أن لساني طويل وأنني لا أستحق التقدير ولا الاحترام وأني أتناسى وعودي وتعهداتي يشيرون بذلك إلى تعهدي الشهير قبل ذلك بنحو أربعة سنوات، ثم بدأوا التحقيق معي ولمّحَ أحدهم لي بأن سيقطعون لساني وأن تصريحاتي السخيفة خيانةٌ للجيش والشعب لأن الأمةَ في خطر، وأشاروا إلى أنني أصبحت أشكك في قدرات الأبطال، وإلى أنني أقول كلاماً لا يصدر إلا من جاهل ذو أعطال.
في نهاية تلك الجولة أعلنوا خسارتي بالضربة القاضية! ثم سجلوا علي تعهداً جديداً أقر فيه بأنني آسفٌ عن الإساءة لرجلٍ طيب يقصدون ذلك الذي وجه لكمته إلي، وأنني لن أكرر فعلتي الشنعاء التي تعد تحرشاً بمشاعر أحد المواطنين وأن إهانتي له هي التي دفعته لضربي دفاعاً عن النفسِ!
وقعتُ على التعهدِ الجديد الذي تعلمتُ منه أن لا أبوحَ باسمي لأحدٍ وأن لا أذكر أية تفاصيلٍ قد تقودني لاحقاً إلى الملاحقة والمقاضاة وأن المزيد من التعليقات والملاحظات التي تصدر مني قد تدفع أحدهم لإتهامي بالتجسس!
وهكذا تعهدت لنفسي أن أنهي الامتحانات بأسرع وقت وبأفضل صورة وأن أنجح كي أتمكن من مغادرة البلاد لإكمال دراستي.
ثم سألني والدي ووالدتي عن الذي بدا في وجهي فقلت ُ أنها مجرد كدمات وطمأنتهم بأنني لست من مثيري الشغب ولا من دعاة الحرب! بل من دعاة الحب وأن للحب ثمن، وقصدي بذلك أن أطمئنه بعدم وجود أسباب سياسية لذلك. ثم أكدت لوالدي على رغبتي في إكمال دراستي في الخارج وعدم الدخول في أي شجار ٍ يعيق برنامجي فابتسم فرحا ً لأنه سيصبح يوما والد الدكتور أستاذ الجامعة.
كان ذلك اليوم أول خميس في ذلك الشهر وفي مساءه غنت كوكب الشرق للمرة الأولى (الله معك) وكما قال المذيع مقدم الحفلة عن الأغنية أنها من كلمات الشاعر الشاب صلاح جاهين وأنها جاءت استجابة لمشاعر كل الشعب:
راجعين بقوة السلاح
راجعين نحرر الحماة
راجعين كما رجع الصباح
من بعد ليلة مظلمة
جيش العروبة يا بطل الله معك
ما أعظمك ما أروعك ما أشجعك
مأساة فلسطين تدفعك نحو الحدود
حول لها الآلام بارود في مدفعك
وفي اليوم التالي أي الجمعة ذهبت إلى المقهى المطلة على شاطئ النهر أقرأ استعداداً لأحد الامتحانات النهائية مع بعض الزملاء لكن صديقي الذي تعودنا أن نلتقي لنلعب الشطرنج جاء على غير موعد إلى هناك وجلس إلى طاولتي ولاحظتُ أنه بدا مختلفاً بعض الشيء ولم أشأ أن أسأله لكوني منشغلاً بالدراسة.
لكنه بادر بالحديث معي فسألني عن سبب الكدمة في وجهي فقلت أنها حادث غير مقصود ثم سألني عن أدائي في الامتحانات فقلت أنني سوف أتمكن من النجاح من الدور الأول ثم سألني ساخراً: هل صحيح أن جيشنا سيرميهم في البحر؟ وهل صحيح أن أسماك القرش ستتكاثر في مياه البحر الأبيض المتوسط؟ وبقيّ يسأل وأنا أجيب بردود مقتضبة كقول نعم أو لا لأنني لم أكن أريد أن تضيع مني أية فرصة في التركيز بسبب الامتحان.
ثم سألني صديقي إن كنت أرغب بلعب الشطرنج على سبيل التغيير، لكني رفضت فقال أنني خائف منه وأنه كان مستعداً لأخباري عن أشياء تهمني لو أنني أبديتُ اهتماماً بذلك فواصلت التصرف معه بهدوء وبردود مقتضبة حتى لاحظتُ أنه أصبح متذمراً وقال لي أنه مغادر وسوف لن يتصل بي قبل أن أقوم بذلك بنفسي.
وفي صباح السبت صحيت باكراً وجلست مع والدتي للإفطار سويةً وأخبرتها عن لقائي بصديقي في المقهى لكنها قالت: أنها مسامحة إلى أقصى الحدود ولا تؤمن بالكراهية المطلقة إلا أنها ولا تعرف لماذا لا تحب أهل صديقي ولا تريدني أن أصاحبهم. ودعتني والدتي وخرجت متجها إلى الكلية وكلانا لا يعرف متى ستبدأ الحرب!

يناير 2009
جابي الوطن (13)
عند ظهر يوم السبت سلمتُ الأستاذَ المراقب في قاعةَ الامتحان ورقة أجوبة الامتحان الأخير، ثم خرجت إلى الباحة المجاورة فأحسستُ بهواء حزيران وشعرتُ برغبةٍ في السباحة وبحنينٍ للنهرِ الساحرِ الذي ألهمني وصاحبني مسيرة حبي، ثم أحسستُ نفسي مرتبكاً ثم مأسوراً داخل مثلث ٍ زواياه ُ وطن ٌ مهدد ٌ بالضياع ِ كنتُ قد وجدت ُ في ولائي له قيم ٌ عليا تمنعني من خذلانه، ومستقبل ٌ مجهول ٌ لأجله ِ سعيت ُ واجتهدت ُ ووعدت ُ أهلي أن اُتوِجه ُ بحصولي على شهادةٍ عليا من جامعة ٍ إنجليزية لأحمل لقب الدكتور المهندس فأصبح بذلك أستاذاً جامعياً أو استشارياً كبيراً، وحب ٌعظيمٌ لملاكي الجميل الذي فيه كتبتُ أحلى قصائدي وجعلتُ منه مناراً لقلبي فاستوحيتُ حباً لجميع الناس.
ثم تذكرتُ أن والدي أراد مني أن أعودَ مبكراً إلى البيت فعدتُ لأجدَ عائلتي كلها في الانتظار، وبعد أن اطمئن الجميع من حسن أدائي في الامتحان، دعانا والدي جميعاً بعد الغداءِ وقال: اتركوا كل شيء فالأمرُ مهمٌ والوقتُ قصيرٌ! ثم أتى برزمة ٍ أخرج منها: جواز سفر ٍ وتذكرةً ومبلغاً من المال بعملة أجنبية.
حينها شعرتُ أن ملامح َ والدي اختلفت وأنه جاوز السبعين، فدبت في جسدي رجفة ٌ وأدركتُ أنني مقدم ٌ على أمر ٍ كبيرٍ وأن موضوعَ سفري إلى الخارج قد بدأ يتحول من حلم ٍ إلى حقيقة.
ونظر والدي إليّ ثم قال: في الشعرِ يقولون " اليومَ خمرُ وغداً أمرُ " أما أنا فلا أفهم في الشعرِ لكني أفهم ُ في السحرِ، ولقد سحرني قراركَ بأن تكمل دراستكَ في الخارج ولقد وعدتني ولقد وعدتك. وأرجو أن تفهم ما أقوله ُجيداً، فهو آتٍ من القلبِ ولم أعتد عليهِ من قبل.
وواصل حديثه: لقد أحببتكَ لأنك ابني، وتمنيتُ أن تحبني فتحقق لي ما تمنيته لنفسي، وكنتُ ولازلتُ أتمنى أن تجعلني فخوراً بكَ وسعيداً منك قبل أن أموت. واليوم أريدكَ أن تعدنا بأن تعود لنا سالماً بإذنٍ الله وناجحاً وبيدك شهادة الدكتوراه، ولكَ مني أن أفعل أي شيء تريده في سبيل أن أجعل مهمتك ممكنة وميسرة وأريد وعداً من والدتكَ وأخويك وأختك أن لا يعطلا هذا الهدف.
وفهمتُ من والدي أن الأحداث ستتأزم وأن الحربَ ستندلع في أية لحظة مما يستوجب مني مغادرة الوطنِ من دون تأخير قبل أن أزج بمعمعةٍ تشغلني وتربكني فتمنعني عن تحقيق الهدف. عندما تمعنتُ في تذكرة السفر وجدت موعدها اليوم التالي أي الأحد.
استمر والدي في شرح خطته وقال أن علي أن لا أنتظر نتائج الامتحانات وأنه سوف يأتي لي بشهادة التخرج وباقي الشهادات إلى تركيا حيث سأنتظره هناك.
وعندما سألته عن سبب الاستعجال في السفر قال أنه يخشى أن أساقَ لخدمة الاحتياط في الجيش الأمر الذي يحول دون السفرِ إلى الخارج.
كان والدي قد تهيأ للأمرِ وحسب له الحساب فقد أخذني معه قبل أكثر من شهر إلى المحكمة حيث قمنا هناك بإصدار توكيلٍ عامٍ مني له مما يجيز له مراجعة الدوائر والمؤسسات نيابة عني وأخبرني حينها بأنه يريد أن يكون مستعداً لمواجهة مختلف الظروف.
في نهاية حديثه قال والدي لوالدتي أن عليها إعداد حقيبة سفري لأنني قد أخرج لإنهاء ما علي من حاجات قبل السفر. شكرتُ والدي لمبادرته ووعدته أن أبقى وفياً له لأن رضا الله ُ من رضا الوالدين.
كانت الرابعةُ عصراً عندما اتصلت بصديقي الذي صاحبني رقعة الشطرنج، وبزميلي في الجامعة وفي التجمع الطلابي كي ألتقي بهما في المقهى وبذلك َ أودع كوكب الشرق ِ وأطلالها.
أما والدتي فظلت تقبلني وتحضنني وتذكرني بما عليّ أن أفعله ثم أكدت لي بعدم إخبار أحدٍ بأية تفاصيل تتعلق بموعد وطريقة سفري، ثم ذكرتني بدسائس والد صديقي الذي قد يسعى لأن ينتقم مني لكوني متفوقاً على ابنه.
وتساءلت والدتي عن سبب إهمالي وداع ملهمتي الحبيبة فأجبتها بأني لم أهملها بل هي التي لا تريد أن تصاحبني مشواري وأني برغم ذلك سأكتب لها من هناك وسأستغل عامها الأخير في الجامعة لأشرح لها محاسن مرافقتي في بلاد الغرب.
لم تقتنع والدتي بهذا الرد وقالت: كن مسئولا ولا تهملها فمن العيب أن تتركها دون وداع، لكن لا تقل لها عن تفاصيل السفر ولا إلى أين، بل قل لها أنك مسافر بغرض الاستكشاف وستعود قريباً.
في المقهى قلتُ لصديقي: سوف نفترق لبعض الوقت، ولا أعلم متى سيكون لقاءنا القادم.
صدم صديقي من الخبر وبقي صامتاً لبعض الوقت ثم رأيتُ عينيه تغرورقان بالدمعِ وقال: كاذب.... أنت كاذب
ثم قال: إن رغبت أن تتركني فخذ أحلامكَ معك، لا تتركها معي فإن أحلامكَ جميلة ٌ تجبي العقول! ثم بكى!
قلتُ: لم أفهمك، ولا أريد أن أفهمك.
قال: بلى، أنت تفهمني، وهذا الحصان الأسود ُ اللعين من سيلاعبه؟!
لم أعلق على شيء مع أن صديقي توقع مني رد فعلٍ آخر لكن لحظتها أدركت أن السُكَرَ قد فقد حلاوته وأن الكلماتَ قد فقدت معانيها.
بقي القليل من الكلام ِ في لساني تركتهُ لزميلي في التجمع الطلابي الذي بكي أيضاً ووعدني بالتواصل مع الأهل.
ثم تركت المقهى وتوجهت إلى بيت ملاكي الحبيب جابية القلوب أبحث عن كلماتٍ في عقلي لأودعها.

يناير 2009
جابي المصير (14)
في المقهى أنجزتُ وداع َ من أحببتُ وداعه ُ، بعدها خرجتُ واتجهت نحو الجسر كي أذهب لوداع حبيبتي.
فوقَ الجسرِ منحتُ لعيني حرية ً لم تمنح لها من قبل، فرأت كأنها لم ترَ من قبل، ثم بكت كأنها لم تبكِ من قبل، وتذكرت صديقي حين سألني عمن سيلاعب الحصان الأسود اللعين من بعدي؟ فأجهشت في البكاء.
وسط الجسرِ رأيتُ جسرين آخرين أحدهما إلى الشرق والآخر إلى الغرب عرفتهما من أعمدة الإنارة وكنا قد دخلنا أول الغروب. ثم تذكرتُ موضوع َ الجسرِ السابعِ، فبدأتُ أعد الجسورَ المقامة حينها فوجدتها ستة، فتمنيت لو عرفتُ المكان الذي سيقام عنده هذا الجسر.
وبدأ الجسر في الانحدار نحو الضفة الأخرى فأحسست أن رجلاي تتثاقلان على غير عادتي، وكنت في السابق أشعر بأني أرقص على الجسر مستمتعاً بالنزول. ربما كنت لا أرغب في الوصول لهدفي، فقد كنت بطيئاً أتهادى كمن استيقظ من النوم ِ للتو، لا أميز طريقي، وتمنيت لو أن الساعة وقفت أو أن النهر ابتلعني.
لم أعرف ما الذي أصابني، لكني أدركتُ أنني لست مؤهلاً للوداع ولا للفراق، كنت كجنين يستأصل من رحم أمه قسراً.
فشهقت بألم وزفرت بأكثر من ألمٍ وعند نهاية الجسر حيث موقف حافلات النقل العام وجدتُ محل بقالة فتوقفت عندها ثم طلبت علبة دخان! ومع أنها حماقة مني لكني كنتُ بحاجة لأن أفعل شيئاً، أي شيء حتى التدخين، بعدها شعرتُ بالدوار ورغبة بالإستفراغ ...
كي أصل لبيتها كان عليّ أن أستقل حافلة النقل العام وبعد أن تحركت الحافلة وصلتْ بعد قليل كأنها جزءٌ من حلم.
قرعت جرس البيت فلم يخرج لي أحد، كانت الساعة قد جاوزت السابعة مساءاً، فقررت الانتظار.
كانت حبيبتي تعيش مع والدتها في منطقة تسكنها غالبية من ذوي الدخل المحدود، طبقة من صغار موظفي الحكومة ممن يتمكنون من استئجار مسكن بدفعٍ شهري، ويتحركون دون الحاجة لاستعمال وسائط نقلٍ مكلفة. مكان قريب من القصر الذي استقبلوا فيه والدها لتصفيته فدبت قشعريرة في جسدي.
من بعيد لاح لي شبحان بدا لي أنهما امرأتان، فعرفت أنها قادمة بصحبة والدتها، وتدفق الدمُ في أوصالي وبدأت استرجع عطرها في ذاكرتي وحين اقتربتُ ابتسمتْ عيناها وبرقتْ من الفرحة.
هكذا رأيتها فتسمرت ذاكرتي في شفاهها وأناملها وفي لحظات تذكرت كل شيء، كلّ الحبِ، كيف بدأ وكيف نما، تذكرتُ شقاوتي وحلاوتها وكيف كانت بما تمنحني من ابتسامات ٍ هادئة وإشارات ٍ متزنة، تشد قلبي بقيود وروابط، وتقيم شبكةً متينة من حبال الحب.
كانت حلماً عندما كنتُ حقيقة وكانت حقيقة ًعندما كنتُ حلماً، كانت جابية قلبي عندما كنت صادقاً مع نفسي.
واستقبلتُ في غرفة جلوس بسيطة وهناك قلت لوالدتها: لقد عزمت على السفر وجئت للوعدِ لا للوداع! عمتي أنتِ تعلمين قدر حبي واحترامي لهذا البيت وأرجو أن أفي بوعدي فأعود!
هكذا كنت ألاحق الحبَّ من موقع لآخر وأدفع به من زاويةٍ لأخرى، مدافعاً عن نفسي رغماً لكنه كان يهرب محتمياً خلف القَدر الذي شاء أن يكون غالباً في غير صفي.
فتساءلت والدتها: إن عدتَ، فماذا بعد؟
أجبتُ: سأدعو الكثيرين لفرحٍ كبير!
فقالت: فرحُ من؟!
لكني ارتبكتُ من هذا الرد لأنني لم أكن مستعداً له وبدا ارتباكي واضحاً ثم واصلتْ قولها: سمعنا الكثير من الوعود وسنرى في حينها والأمرُ فيه نصيب.
عند خروجي سمعت والدتها تقول كلاماً لم أفهم منه أي شيء لكن يبدو أن هناك شخصٌ وعد ملاكي بأنها ستحصل على سيارة أفضل من تلك السيارة التي كانت مع والدها.

فبراير2009
جابي الابتسامة (15)
في ذلك الزمان كنا عند المساء نفترش سطوح منازلنا، لننعم بنسماتِ الهواءِ العليل، أما في الليل فكنا نلتحف السماءَ ونجومها، لننهمك مع القمرِ في حوارٍ صادقٍ حميم، ولنبوح له بأسرارنا، وهكذا ننام مبتسمين، محتضنين أحلامنا الجميلةِ الرائعة.
وفي ذلك الزمان كنا نستيقظ في الصباح فيستيقظ معنا دفء الشمسِ، وبعد أن نبحر في عمقِ النهار تذوب الأوهام من أحلامنا، فلا يبقى عندنا سوى الوقائع الدامغة والحقائق الممكنة.
أما عن ليلة الأحد، تلك التي سبقت سفري، فلم أكن فيها مبتسماً ولم أنم، إذ لم تكن معي حينها أحلاماً جميلةً أحتضنها، فقد فقدتها كلها بعد أن وجدتُ حبيبتي لا تعيش في عالم ٍ أحبه أنا، عالم ُ الغد، بل تعيش في عالمٍ تحبهُ والدتها أسمه الأمس.
وفي صباح الأحد نهضت مبكراً لأعد ما تبقى من حقائب السفر ثم جاءت سيارة أجرة لتقلني إلى محطة القطار العالمية حيث من هناك ينطلق قطار الشرق السريع ولاحظتُ أن والدي كان قد أهتم ورتب لكل التفاصيل.
ثم ساعدني أخي الأكبر في إخراج الحقائب ونقلها إلى سيارة الأجرة وبعدها ودعته وودعتُ أخي الآخر وأختي، وخرجتُ من البيت مع والديّ واتجهنا نحو المحطة، وفي الطريق أكد والدي أن صفارات الإنذار ستولول في أية لحظة معبراً عن تخوفه من حصول أحداث غير متوقعة قد تؤخر سفري.
بعد أن وصلنا إلى المحطة، أنزلنا الحقائب من سيارة الأجرة فلاحظت أن عدد الحقائب أقل وأدركتُ أنني نسيت حقيبة ً وضعتُ فيها بعضاً من كتبي الجامعية التي قد أحتاجها لاحقاً، فأخبرت والدي الذي وعدني بجلبها معه حين قدومه إلى اسطنبول. ودعت والديّ للمرة الأولى ونظرت إليهما بمشاعر الشاعر، وبكت والدتي وبكيت مثلها كالأطفال، وتمنيت لو أن والدي منحني عفواً من هذه الرحلة لكنه لم يفعل وصبرَ على الألم بإرادة قوية. ثم صعدت إلى عربة الدرجة الأولى واتجهتُ نحو قمرة صغيرة فيها حجزها لي والدي حيث أبقى لغاية وصول القطار محطته الأخيرة.
جلست في القمرة أنتظر قاطع التذاكر، الذي أخبرني عنه والدي وقال بأنه سيهتم بي طوال الطريق. ثم علمتُ من هذا الرجل الذي كان يعمل مثل مكوك الحائكِ ذهاباً وإياباً في القطار بأنه يحبُ ويحترم والدي الذي كان شخصيةً مميزة عندما كان يعمل في مؤسسة السكك الحديدية منذ سنوات.
بدأ قطار الشرق السريع رحلته نحو الشمال ليمر خلالها في مناطق مختلفة، وأذكر أنه اخترق نفقاً في منطقة مشهورةٍ بحمامات المياه المعدنية التي تخرج من داخل الأرض وهي مياه حارة، ويقال إن هذه المياه تشفي الكثير من أمراض الجلد والمفاصل وتساعد على التئام الجروح وتعقم الجسم وتريح العضلات.
في الطريق شاهدتُ لأول مرة مناظر خلابة وانحناءات دجلة العظيم فيها واذكر أننا مررنا بمحطة تقع عند مدينة قديمة يعتقد أنها أسست في بداية القرن الثاني قبل الميلاد وعرفت بمملكة الحضر بهندستها المعمارية وفنونها وأسلحتها وصناعاتها، ويقال أنها كانت في مستوى روما من حيث التقدم. وبينما كنت أستمع لشرح قاطع التذاكر الذي بدا مثقفاً ومدركاً لكثير من الحقائق والبيانات كنت أحلم بما يمكن لي عمله عندما أنهي دراستي العليا وأباشر عملاً أخدم به الوطن.
وفي المساء وصل القطار إلى مدينة الحمدانيين حيث كان أبي فراسٍ وسيف الدولة ِ والآخرون ينظمون الشعر ويتغنون بالشجاعة. وهناك عرفني قاطع التذاكر على قريبٍ له صعد إلى القطار وقال لي بأنه يجيد اللغة التركية وأنه سيرافقني بقية الرحلة حتى وصولي لاسطنبول التركية وأن والدي طلب منه ذلك . وبعد أن تحرك القطار متوجهاً إلى الحدود بدأت أراجع الأحداث ولكني لسبب لم أفهمه كنت أشعر بأني لم أنجز كل ما عليّ انجازه.
كنتُ أعلمُ بأني أخرج من عالم ِ الوطنِ الجميلِ الملون لأدخلَ إلى عالمَ الغربة الغريب الرمادي. ثم أحسست بأن الهواء أصبحَ أقل إنعاشاً. وشعرت بنغزةٍ في الصدرِ كأن أحدهم يهددني أو يحذرني فأدركت أن القطار قد عبر الحدود.
وفي ظلمة الليل فقدت الإحساس بالزمن وأغمضت عيني للحظات، كانت في الحقيقة ساعات، وعندما فتحتُ عيني رأيت فجراً آخر غير الذي اعتدتُ أن أراه وشمساً أخرى من لونٍ غير الذي عرفتها به. في قمرة القطار شعرت بأنني أنتقل إلى عالمٍ من شكلٍ آخر وبهواءٍ من عبقٍ آخر. ففهمت حينه ما الذي عناه بدر بجمال الظلام.
في صباح الاثنين كنا قد اخترقنا عمق البلاد التركية حتى توقف القطار في محطة صغيرة لمنح الفرصة لنزول بعض الركاب ولصعود آخرين، ونظرتُ إلى ساعتي فوجدتها متوقفة. ثم سألني قريب قاطع التذاكر عما أرغب به فقلتُ له: فنجانُ شاي ساخن وصحيفة، فجاءني بهما لكن الصحيفة كانت باللغة التركية. ولأن الرجل كان أمياً لا يجيد القراءة أو الكتابة بالتركية لذلك كنت أقرؤها له لأنها مكتوبة باللاتينية ثم كان يترجم لي ما يسمعه مني!
وفي صباح الثلاثاء وبعد أن وصلنا إلى اسطنبول رأيت الصحف التركية والتي تصدر بالحروف اللاتينية بعناوين من حروفٍ قليلة لكنها كبيرة وكلها من النوع الملفت والمثير وكلها تقول (اندلعت الحرب)، فتذكرت ما قاله والدي بأن الحرب وشيكة فعرفت أن الحرب قد اندلعت بالفعل صباح الاثنين وعلمتُ لاحقاً أن في ذلك الصباح كانت الطائرات ُ قد سقطت من قبل ِ أن تطير.
تذكرت والدي الذي قرأ الأحداث قبل أن تقع وتحسست أنفي والضربة التي وجهت إليه وعرفت أن خروجي من الوطن كان خطوة كبيرة تستحق التعب وأن غربتي سيسجلها الزمان درساً للآخرين.

فبراير 2009