جابي النصر... 16
بعد أن تركتُ الوطنَ ورحلتُ إلى الغربةِ، وجدتُ عقاربَ الساعةِ تسحبني لضجرٍ شديد ٍ، وتخلق في نفسي إحساساً يشعرني بالألم.
كانت كلّ أفكاري تحوم حول اعتقاد ٍ واحدٍ: بأني أصبحت ُ في قاع ِ بئرٍ مظلم ٍ، أسمهُ العزلة َ والوحدة، بئرٌ لا نور َ فيه َ ولا قرار.
وكنتُ أخاف أن أكتشفَ أن تركَ الوطنِ يعني تركُ الحبّ وأن ملاكي قد ينسى كلّ المعاني الجميلة التي اتفقنا عليها قبلاً.
في ذات ِ الوقتِ كانت الأحداثُ تجري متدافعة ً في الوطن، كذلك في سائر البلادِ المجاورة، أحداثٌ كأنها أرانب ٌ تخرج إلى الحريةِ من قبعةِ ساحرٍ ملعون لا يعرفُ سوى السحرَ الأسود.
ملامح بسيطة للابتسامِ كانت تصاحبني بعد وصولي إلى إسطنبول إذ كنت أستمتع بما يقوم به رفيق رحلتي، قريب قاطع التذاكر، حين كان يحاول ترجمة الجرائد التركية التي نحصل عليها لنعرف ما يجري عن الحرب، وكنا نمزحُ للطرائف التي تأتي فجأة من ترجمته الخاطئة.
وبرغم قصر الوقت فقد نشأت بيني وبينه ُعلاقة ٌ طيبة بذل فيها هذا الرجل جهداً كبيراً من أجل راحتي وتخفيف الصعوبات التي كانت تواجهني. ثم تعرفنا في الفندق الذي مكثنا فيه على شخصٍ جاء ليقيم هناك وكان يجيد لغاتً كثيرة ومن لكنته بدا من بلاد الأرز أو هكذا أوحى لنا. وجلسنا سوية ً أكثر من مرة للحوارِ والنقاشِ في الأحداث.
ثم قرأتُ في صحيفة إنجليزية جاء بها أحد الزوارِ إلى الفندق، تقارير تتحدث عن خيبة أملٍ كبيرة تسود البلادَ العربية حينها نتيجةً لسوء أداء الجيوش التي تسابقت في الغناءِ والتطبيلِ والتزمير.
وجاء في أحد التقارير أن أحد الإعلاميين المشهورين وكان يتولى مسؤولية َ محطةٍ إذاعيةٍ مهمة، وعرف بأسلوبهِ الفريد في الإلقاءِ والتحريضِ كان يدلي ببياناته في الأيام ِ الأولى للحرب تثير التندر عن انتصاراتٍ مذهلةٍ للجيشِ في حين أن الهزيمةَ الساحقة كانت تحدثُ هناك على الأرض.
أذكر أن والدي كان يقول: " لن تعرفَ معنى المرارة ِ إلا بعد أن تذوق طعم َ الخسارةِ " هكذا سمعتها من والدي وهو يحدثني عن تجربة جدي المريرة في التجارة، حيثُ خسر في السُكَرِ والورق!
أما أنا فلم اعرفْ حقيقة َالهزيمة، ولا معنى المرارة، إلا بعد أن أميط َاللثام ُعن الخيانةِ في خطابٍ شهيرٍ أذيع في التاسع من حزيران لم نتمكن ثلاثتنا من الاستماع إليه مباشرةً.
وفي صباح العاشر من حزيران، جلسنا نستمع لترجمة سليمة للجرائد التركية التي صدرت ذلك اليوم، وكانت جميعها تتحدث عن خطاب الرئيس الذي أعلن فيه الهزيمة وأنه مسئول عنها وتنحيهِ عن أي منصب، واستعداده للحساب.
وهكذا سقط الرئيسُ من عليائه ومعه ضاعت أحلام ٌ كثيرة!
وبكى صاحبنا القادم ُمن بلادِ الأرز وانهمرت دموعه، فقد كان واحدا ً من ملايين ضاعت أحلامهم بفعل الهزيمة، ورأيتُ وجهه مكفهراً ولونه أحمر، وعلى وجهه غضبٌ يشعل حرب، كما لو كان قد فقد ابنه الوحيد. وقال لنا: أنتما جالسان هنا لا تعرفان بما حصل، لقد ضاعت بلاد وانهزمت جيوش، وليس في ذلك هزارٌ أو تهريج.
ثم انفجر في البكاء وهو يقسم بالله العظيم أن الجيش قد خدع وأنه بريء وأن الشعبَ مسكين ٌومغدور ٌبه ولا يعرف كل الحقيقة، فشعرت بالحزنِ العميق وأنا أرى الدموع تنهمر من عينيه، ثم ساد صمت الموتى بيننا وحاول رفيق رحلتي أن يضفي على جو المجالسةِ بعض الحياة، لكن برغم ذلك فقد مضى اليوم أسود كئيب.
في الأيامِ التالية بدا جلياً أن حزن ابن بلاد الأرزِ قد فاق كل تقدير حتى فقد صوابه وصار يقف وسط الفندق ينشد:
الله أكبر فوق كيد المعتــــدي
والله للمظلوم خير مؤيـــــد ِ
أنا باليقين وبالسلاح سأفتـــدي
بلدي ونور الحق يسطع في يـدي
ثم يهتف بصوتٍ عالٍ:
قولوا معي، قولوا معي
الله... الله... الله أكبر،
الله فوق المعتدي
بعدها يعود لزاويته في مدخل الفندق ليبكي كالطفل، حتى أغمي عليه في مرةٍ من المرات وجاءوا بالإسعاف وأخذوه للمستشفى ولم أعرف شيئاً عنه بعد ذلك.
ومضت الأيام وأن أنتظر والدي ليأتي كما تواعدنا، ثم تعلمت وميزت بعض المناطق الأقرب إلى الفندق الذي كنا نسكن فيه، ووجدت نفسي اُكثِرُ من الجلوسِ عند القلاع وقرب الأسوار، ألتصقُ بالصخرِ الذي نحته الزمن ُ وأحنُ لوالدتي التي منعتها بسفري من مجالستي ومنعتُ نفسي به من مجالستها فقد كانت لي أكثر من أم. وكتبت رسائل كثيرة لوالدتي أصف فيها مشاعري عن التفاصيل التي حصلت حينذاك.
حتى جاء الصباح، حين استيقظت، بعد أن حلمت بأن ملاكي يقف قربي عند مدخل قصر السراي (دولمه باهجة) !!!

إحسان وصفي - مارس 2009