جابي الأحلام... 17

 

كان التفاؤلُ ضرورة ً ملحة من أجلِ تجاوزِ صعوباتِ الرحلة، ثم أدركت ُ حاجتي لهذا التفاؤل بعد تأكدي من الهزيمةِ وإحساسي بمرارتها، كذلك بعد أن شاهدتُ الرجلَ المسكين، ابن بلاد الأرزِ يسقط ضحية آمالٍ ذُبحتْ بلا رحمة.

وكانت رؤيتي لملاكي في الحلمِ عند السراي إشارةً طيبة، جعلتني استعيد ُ قدراً كبيراً من ثقتي بنفسي ومن تفاؤلي الذي احترقَ بعضَ الشيءِ بفعلِ نيرانِ الحرب.

في ذلك الصباح الجميل، استيقظتُ نشيطاً، مبتسماً وأيقظت رفيق رحلتي مترجم الجرائد الطريف، ثم طلبتُ منه أن يستعد مثلي لنخرج إلى مكتب البريد.

كانت لدي رغبة ً عظيمة ً أن أكتب رسالة برقية لوالدي ولوالدتي، كذلك لنذهب بعدها لوسط المدينة للتنزه، ومن ثم البحث عن مطعم فاخر يمكن لنا أن نحتفل فيه.

لم نعرف في البداية مكان مكتب البريد، وبعد أن سألنا بعض المارة، عرفنا أنه يقع عند منطقة عبور المشاة. وبعد أن وصلنا إلى المكان لاحظت أن نظراتي تتقاطع صدفة مع نظرات فتاةٍ كانت تعبر إلى الجانب الآخر من الشارع.

بعد أقل من دقيقتين وجدتها مرة أخرى أمامي في مكتب البريد تجلس خلف أحد المكاتب فعلمت أنها تعمل هناك!

وأدركت فتاة البريد التركية بسهولة أني لا أجيد لغتها، وأني أتحدث الإنجليزية بلكنة أجنبية فبادرت تتحدث معي لتسألني عن طلباتي وبدت لي أنها تتدرب على التحاور فتجاوزتُ بذلك الحاجة َإلى مترجم.

وهكذا فهمتْ الفتاةُ معنى رسالة َالبرقية التي وددت ارسالها لوالدي والتي فيها أعلمه بعنوان الفندق الذي نمكث فيه،  وفيها تهنئة لوالدتي بعيد ميلادها الذهبي. وكنت قد طلبت من والدتي أن ترسل تحياتي لكل المحبين المخلصين وفي داخلي أمل أن تصل بالرسالة لملاكي الجميل الذي ربما يكون على أحرٍ من الجمر بانتظار أي خبرٍ عني!!

وبعد الانتهاء من مكتب البريد الذي شعرت فيه بلسعة أنثوية توجهنا نحو مركز المدينة أكثر فأكثر، ومشينا في شوارع مزدحمة وبين محال تجارية كثيرة حتى جاوزنا منتصف النهار فشعرنا بجوعٍ شديد واتجهنا نحو مطعمٍ مميز فجلسنا ننتظر أن يأتي مضيف الخدمة. حينها وجدت مجموعة من الفتيات يدخلن سوية وهن يتمازحن كأنهن فراشات ملونة فابتسم رفيق الرحلة وأشار إلي أن أنتبه، فإذا بها ذات الفتاة التي التقيتها في مكتب البريد!

ربما كانت هي المرة الأولى التي تظهر لي فتاة بهذا الجمال، جمال الهوانم الساحر، المليء بالأنوثة، المتدفق بالدفيء والعذوبة.

وبينما كنا ننتظر الطعام بدأت أقلب صفحات مجلةٍ انجليزية حصلتُ عليها من إحدى المكتبات وكانت تتحدث عن الحرب وعن تبعاتها وفهمت أن مجلس الأمن قد أصدر مجموعة ً من القرارات الدولية تعني بوقف إطلاق النار، وهو ما كان يعني إقراراً دولياً باحتلال الأراضي وحرمان أصحابها من حقهم في استعادتها!

وقالت المجلة أن مجلس الأمن أراد من خلال قراراته عدم فسح المجال أو إعطاء الفرصة للعرب تنظيم قواتهم لصد الهجوم أو القيام بهجوم مقابل، كذلك لإظهارهم وكأنهم اخترقوا القرارات والمواثيق الدولية وبهذا يستحقون الردع والعقاب.

وتلمست أنفي الذي سددت إليه لكمة كانت ضربة قاضية عندما وجهت إليه من قبل أحد أشقياء السلطةِ في نادي الكلية حين كنت أقول أن لا الحكومات، ولا الجيوش، تقصد الحرب أو المواجهة الحقيقية، ثم رفعت وجهي عن المجلة مبتسماً فإذا بعينينا تتقاطعان مرة أخرى.

كانت عيناي مبتسمتين، هذه المرة ليس من حلاوة الدنيا لكن من شر البلية فذاكرة الضربة تستحق الضحكِ والإبتسام.

وبينما كنا أتجاذب الحديث مع رفيق الرحلةِ عن الذي سنطلبه، إذا بالفتاة التركية ترفع صحنها من على طاولتها لتتجه نحوي به بينما بدأت صديقاتها يصفقن لها وكأن هناكَ مشروع ٌ للتحدي.

عندما اقترب الفتاة إلى طاولتنا مدت يدها لتصافحني وأشارت برغبتها مجالستنا وقالت بالإنجليزية: هناك تحدٍ بيننا (تقصد بينها وبين صديقاتها) وأنها تريد أن تثبت لهم جرأتها بأنها ستتمكن من الجلوس معنا وأننا سنرحب بها بكل سرور.

وتم لها ما أرادت ثم دعينا صديقاتها لمشاركتنا الطاولة فكان احتفالي بعيدِ ميلادِ والدتي، سبباً لسعادة الجميع وليس لسعادتي وحدي فقط.

في مساء ذلك اليوم شعرتُ بشيءٍ من تأنيب الضمير والذنب لأنني بمجالستي تلك الفتاة وجدتُ نفسي قد تجاوزت حدوداً كنت رسمتها لنفسي منذ أن أعلنتُ ملاكي سيدة ً لنهاري وقمراً لليلي!

في نهاية حزيران من ذلك العام، كان الصيفُ لا يزال كعادته حاراً وكان والدي في طريقه إلي يحمل معه باقي أوراقي وكتبي وكاملَ المستنداتِ الجامعية التي أحتاجها لإتمامِ تسجيلي في الجامعةِ في إنجلترا من أجل الحصولِ على الشهادة العليا في الهندسة الإنشائية.

عندما وصل والدي إلى الفندق صادف أن كنتُ ورفيق الرحلةِ خارجَ الفندق لشراء بعض الأشياء وعندما عدنا وجدنا والدي في انتظارنا في المدخل، فكان لقاءاً حميماً أدركت منه قدر شوقي له.

كان الوقت منتصف النهار عندما شاء والدي أن ينام قليلاً في الغرفةِ ليستريح من عناء رحلته وطلب إيقاظه ُ في المساء.

ثم في المساءِ ذهبت إليهِ فوجدته لا يزالُ مرهقاً فطلبَ أن يبقى في الفراش حتى يستيقظ بنفسه، وأحسست بعطف شديد تجاهه مما جعلني أجلس جنبه لأرقبه وهو نائم، حتى جاءني رفيق الرحلة ليقول أن فتاةَ البريدِ التركيةِ موجودة ٌ في مدخلِ الفندقِ تحمل قيثارةً وتنتظر نزولي إليها!!

إحسان وصفي - مارس 2009

عودة إلى صفحة الجابي الرئيسية