الجابي وقيثارة القلوب... 18

لم أكن في يومٍ من الأيام على علاقةٍ مباشرة وناجحة بالموسيقى، وفشلت جميع محاولاتي في التآلف مع أيٍ من آلاتها، ولم أستطع فهم التجانس بين مهارة العزفِ وطرب الاستماع، كذلك لم استوعب التوفيق مثلاً بين حركة الأصابع في البيانو أو في الناي وبين هزهزة الرأس والدندنة طرباً.

وذات مرة أيام الثانوية كنت أزور زميلاً في منزله، فوجدت عنده آلة أكورديون حاولتُ أن ألاعبها ومع أن لا نفخ فيها من الصدرِ مثل الناي لكني فشلتُ أيضاً !

أما أيام الجامعة فقد كنتُ أحلم بالجلوس إلى جانب النهر عند الغروب وقت الربيع مستمتعاً بالعزفِ على الناي. لكني لم أتمكن من تحقيق هذا الحلم أيضاً، حتى حقدتُ على نفسي وظننتُ أن في أذني عطباً أو في يدي شللاً يمنعاني من صحبة الناي!!

وبلغةٍ إنجليزية مبسطة قلتُ للفتاة التركية: أنا أحب الموسيقى لأنها تجعل الشعر أكثر قبولاً، وأن الشعرَ يضيفُ للموسيقى ألحاناً جديدة وهكذا فإن قيثارتكِ وقصائدي قد يشكلان ثنائياً جميلاً وربما ستكون محاولة المزج بين مهارتكِ في العزف على القيثارة وإلقائي للقصائد تجربة مثيرة ربما ترتقي لتتسامى مع فتاة جميلة مثلكِ.

كنت قد وعدتُ الفتاة التركية لأنها رغبت في التعرف عليّ أكثر بالخروج معها لنقضي بعض الوقت، وقالت: سيكون من الرائع أن أجالسك فأتعرف إلى مهندسٍ شاعر من بلاد السندباد. وابتسمتْ ثم قالت بكل براءةٍ: أحبُ أن أريكَ مياه البحر (تقصد مياه مضيق البوسفور) ووجدتها تسحبني من يدي نحو سيارة أجرة كانت تنتظر خارج الفندق وتوجهنا لمكان قرب الساحل فجلسنا هناك ومضى جزءاً من الليل لم أعرفه هكذا من قبل.

عند البوسفور وجدت الفتاة التركية ترحب بحضوري لبلادها وظهوري في حياتها وقالت أنها تعرفني منذ زمنٍ بعيد وأنها تظن بأني قادمٌ من القمر...

أحسست أن القيثارة بين أناملها كالطفل النائم تداريه كما لو أنه أبن سلطان عثماني فتذكرتُ بعضاً من الترانيم القديمة والدندنات الأصيلة.

أحببت وصف الفتاة لاسطنبول وقالت: بيزنطة الروم أو قسطنطينية العثمانيين أو اسطنبول تركيا سمها ما شئت لكنها تبقى مدينة الأحلام والشمس والبحر والرمال الذهبية وهي درة البلاد ومركز العالم ولها سحرٌ لا يضاهيه آخر!

في تلك الليلة شعرت بتموجات روحها تحوم حول روحي، وعرفتُ أن لقلبها حرارة وأن شعلة الحبِّ التي أحاطت قلبي قد لامست قلبها، ففرحتُ للوهلة الأولى فرحَ طفلٍ ضائعٍ وجدَ أمه.

بعد قليل عدتُ فلمت نفسي على تسرعي وشغفي بها بعد أن أحسستُ أن التفاهم الروحي بيننا سيضمحل كالضباب في لحظات بعد أن تفصلنا الأيام لأنني سأترك تركيا..

ثم بدأتُ أناجي نفسي عن هذه الأسرار الخفية التي تتلاعب بالناس وهم عنها غافلون. وما هذه النواميس التي تسيرنا تارة على سبلٍ وعرةٍ فنسير منقادين وتوقفنا طوراً أمام وجه الشمس فنقف فرحين.

وتذكرتُ ملاكي الذي تركتهُ هناكَ عند دجلةَ وحيداً، واليوم صار عن عيني بعيداً!

عندما عدت إلى الفندق ِ، كان الوقتُ متأخراً ووجدت ُ والدي ما يزال نائماً، لكن رفيق رحلتي استقبلني منزعجاً وقال أنه كان خائفاً أن يستيقظ والدي فلا يجدني!

في الصباح جلسنا ثلاثتنا سوية لنفطر في مطعم شعبي قرب الفندق ودار بيني وبين والدي حوارٌ جميل لا أذكره لكني أذكر البسمات التي بدت على شفاه والدي وحينها عرفت أنه يعلق آمالاً عظيمة على صبري وتحملي ثم نقل لي تحيات العائلة وقبلني كثيراً وقال أنها من والدتي!

وحاولت أن أعرف من والدي أية أخبارٍ عن ملاكي الحبيب لكنه حاول التهرب بطريقة ذكية كأنه قصد ذلك فتركت الحديث بأمل أن أجد فرصةً أفضل.

في المساء خرجت مع والدي نتمشى بالقربِ من الفندق وعبرت له عن امتناني له وعن رغبتي في تحقيق أحلامنا المشتركة لكنه أبدى اعترضاً على وصفها بالمشتركة وحاول أن يفصل بين تجربته وبين تجربتي وقال: الأحلام المشتركة تقتضي أبطالاً مشتركين أما ما يجري الآن فله بطلٌ واحد هو أنت!

وجدتُ والدي يرفع من زخم شحنات التشجيع ويعيد صياغة علاقتنا لنبدو متآلفين أكثر من أي وقتٍ مضى، وهناك ظهرت الفتاة التركية تعبر من الجهة الأخرى ووجدتها تتجه إلينا، فقمت بتعريفها بوالدي الذي استقبلها بكل ود واحترام.

وقالت لنا الفتاة بأنها ترغب في دعوتنا لفنجان قهوة على الطريقة التركية في مقهى قريب وتقبل والدي دعوتها بترحاب، أما أنا فكنتُ مستغرباً أشد الاستغراب من تجاوب والدي الذي ظننت أنه سيكون متحفظاً منها.

كان والدي يجيد الإنجليزية فقد كان يعمل مساعد صيدلي لكنني لم أسمعه وهو يحدث الناس بها من قبل لكنني فوجئت بنطقه السليم ولكلمات لم تكن تخطر على بالي.

في تلك الليلة وجدتُ والدي شخصاً آخر غير الذي كنت أتخيله، فقد كان محاوراً مازحاً، وسائلاً ظريفاً، وعندما عرف أنها تجيد العزفَ على القيثارة طالبها بأن تعزف لنا وانتهى اللقاء بوعدٍ من الفتاة أن تدعونا لزيارة عائلتها بعد أن ترتب لهذا اللقاء!

إحسان وصفي - مارس 2009

عودة إلى صفحة الجابي الرئيسية