الجابي والمطرقة ... 19
بعد أيام من وصول والدي إلى اسطنبول وشعوره بنوعٍ من الاطمئنان، بدأ يضع برنامجاً لمغادرتها بما يتفق مع مصالحنا نحن الثلاثة، ولاحظت أسلوبه في التخطيط وحسابه لكل خطوةٍ وتبعاتها، وقال لي أنه تعلم أن يحسب لكل شيء آخذاً بالاعتبار جميع التوقعات.
كان والدي قد وعى مأساة جدي حين خسرَ كل ثروته في تجارةِ الوَرَقِ والسُكَرِ بعد أن غمرت مياه ُ الأمطارِ المخازنَ التي كانت تحتويها! فتعود الحيطة والحذر وهو الذي زرع عندي حبّ الشطرنج لرغبته أن أتعود على حساب الاحتمالات.
وبعد أن قربت مغادرتنا لإسطنبول، أدركَ رفيق رحلتي الذي صاحبني قرابة الشهر أن دوره أوشكَ على الانتهاء، ولاحظت أن والدي عانقه بشدة شاكراً له إخلاصه وأمانته، ومد والدي يده إليه بها بعض المال فقبله لكن بعد إلحاحٍ شديد!
أعدتُ على والدي الاستفسار عن ملاكي الحبيب فتجاهل الأمر مرةً أخرى ولم يجب، فتأكد لي أنه يقصد المماطلة وعدم الرد، فبدأت أقلقُ من الأمرِ وأشكُ في أن والدي يخفي عني ما لا أحب سماعه!
ثم خرجنا من الفندق واتجهنا إلى منزل الفتاة التركية التي أحبت أن تكرمنا بأن تستضيفنا في منزل عائلتها، وتحركت بنا سيارةَ أجرة أرسلتها الفتاةُ بعد أن أعلمت السائقَ بالعنوان.
في الطريق شعرتُ بالغثيان وبدأت أرى الطريقَ مسوراً بالصخر! شعورٌ سببه خشيتي من مفاجأةٍ لا أريد سماعها وازداد قلقي نتيجة مماطلة والدي في إخباري عن حبيبتي التي أخافُ أن أخسرها.
بعد وصولنا إلى منزل الفتاة قام والداها باستقبالنا ولاحظتُ أن والدي انسجم مع والدها في أحاديثٍ عن السياسة والحرب وأمور أخرى وجدا فيها توافقاً بينهما، فيما قام رفيق رحلتي بالترجمة بينهما.
أما أنا فقد جلستُ أحاور الفتاة وصديقةٍ لها كانت قد دعتها للمشاركة في الدعوة وتحدثنا عن تفاصيل كنا نهتم بها تلك الأيام لكنها ذابت مع الزمن.
في طريق العودة إلى الفندق أخبرني والدي بأنه سيسافر معي من اسطنبول إلى لندن بالطائرة، وقال أن والد الفتاة التركية سيساعده في الحجز عند شركة الطيران. وكان والدي قد جلب معه المستندات والشهادات الضرورية الخاصة بالقبول في الجامعة الإنجليزية، وحصل على تأشيرات السفر اللازمة.
وعندما وصلنا إلى الفندق بدأ والدي الحديث عما لاحظه في الزيارة، فامتدح الفتاة ووالداها وتأسف لأن ظروف الحرب لا تسمح لهم بزيارتنا في الوطن. وأشار إلى أنه لاحظ شبهاً في الشكل بين الخادمة التي قامت بتقديم الطعام وبين إحدى قريباتنا.
هذه القريبة لم تتزوج مبكراً كباقي بنات جيلها، فأصبحت كئيبة تندب حالها وتحسد النساء المتزوجات، لخشيتها أن تبقى عانساً! ثم تقدم لها رجلٌ غريب الأطوارِ، عاطل ٌعن العمل ولم ينهِ دراسته الابتدائية فتم قبوله على الفور.
وبعد نجاح الحركة الانقلابية وتشكيل السلطة الجديدة وجد الرجل ضالته فيها ، وأنضم للحرس وحمل السلاح، وعلم من أحدهم أن المسئولين يرغبون في الحصول عن أخبار أعداءهم، فبدأ كتابة التقارير وإرسال المعلومات عن كل من هب ودب، مما تسبب في اعتقال وتعذيب الكثيرين بحجة أنهم معادون للنظام.
كان قادة النظام مولعون بالمجاملة والنفاق ويشعرون بحاجةٍ لرجالٍ متلونين يحيطونهم، فأجاد هذا الرجل التلون مما مكنه من الحصول على مركز مرموق في وزارة الزراعة، وكان هؤلاء القادةِ يظنون أن هذه الوزارة لا تحتاج إلى كوادرٍ لها تحصيل علمي عالٍ.
وبرغم استماعي لوالدي إلا أنه لاحظ القلقَ في عيني فقال: هذه الحياة كقطعة حلوى صغيرة، كي تتذوقها عليكَ أن تأكلها فإذا بها تنتهي، وكي تأكلها عليكَ أن تتذوقها فقد تكون مما لا تشتهي!
واستغرق والدي في حديث مليء بالرموزِ والإشارات فعلمتُ أنه يمهد لشيءٍ له علاقة بملاكي الذي أكاد أجن بسببه، ثم شعرتُ بطنين في أذني إذ لم أكن مستعداً لأن أسمع ما لا أرغب به!
وفجأة قال والدي: بنيّ أنا أعرف عنك أكثر مما تظن! ومع أني لم أتدخل في البدايةِ إلا أنني مخلصٌ لك وأحبُ أن أراكَ سعيداً! ولأجلك ذهبتُ لمنزلها والتقيتُ والدتها التي أخبرتني عن زيارتك الوداعية لهم قبل السفر!
وواصل قوله: وقالت لي والدتها أنها متأكدة من وضوحها وصراحتها في حديثها معك!
وشعرتُ بنارٍ تستعرُ في قلبي وبدمعةٍ تتفجرُ من عيني لكني أمرتُ لساني أن يصمت، وقلبي يهتف: يا والدي أرجوكَ أكمل!
ثم قال: سألتها عن ابنتها فردت لقد وافقت، فسألتها على ماذا؟ فقالت على الزواج من صديق ابنك، تاجر السيارات!
أحسستُ أن ألماً سرى في كتفي وأن مطرقةً ثقيلةً تدقني في عمقِ الأرض!
ثم قال والدي وهو يراقب رد فعلي: يبدو أن صديقك قد قام بطلب يدها قبل أن تغادر الوطن! لعبة شطرنج غريبة، ما أقبحها!
فرأيت كل أحلامي تتهالك لتسقط...
ثم تذكرتُ قصة َالرجلِ الذي حزنَ لأنه لم يجد امرأةً تحبه، فبكى حتى أصابه ُ العمى، ثم وجدته ُ امرأة ٌ طيبة ٌ فلما رعته أحبها، فكتب لها أحلى القصائد. بعدها نام ثم صحا فوجد عينيه تريان، وحاول أن يلتقي بالمرأة فلم يجدها!
بعد أن ألح في السؤال عنها قالوا له: أنها عمياء مثلما كان هو! وأنها هربت منه لأنها لا تريده أن يراها هكذا فيبكي من جديد!
يا له من عالم أحمق فكيفَ أخسرُ فيهِ وزيراً أبيضاً لأحصل على بيدقٍ أسودٍ!
قلت لوالدي هرباً أو تهرباً: لم أفهمك جيداً، ولم أفهم عمن تتكلم!
ثم أغمضتُ عيني لأفكر فيما سمعتُ منه، ثم استأذنتُه وتوجهت إلى الفراش واستغرقتُ في النومِ أملاً أن يكون الأمرُ مجرد كابوسٍ لكنه لم يكن كذلك.
لا أتذكر ما الذي جرى ويبدو أنني دخلت في غيبوبةٍ أفقت منها لأجد نفسي في غرفةٍ بيضاء!
قال والدي: لقد أفزعتنا!
وقال رفيق رحلتي: لقد أخرتُ موعد عودتي بسببك!
وقالت فتاة البريد: حمداً على سلامتك!
وبعد يومين أقلعت الطائرةُ بنا من اسطنبول إلى لندن!

إحسان وصفي - أبريل 2009