ولادة ...!

 

كانت ليلة ُ ولادته ِ ليلة َ شتاء ٍ، باردة ً، غائمة ً، مكفهرة ً، تساقطت فيها أوراق ُ الأشجار ِ البائسة ِ، تلك التي أتعبها وأرهقها صيفٌ، شاق ٌ، طويلٌ، لاهب ُ الجمرات...

في الشتاء ِ اعتاد الناس ُ أن يجتمعوا حول المدافئ ليستسقوا من دفئها وليتمعنوا في لهبها ..

وفي تلك الليلة، قبعَ أغلب ُ الناس ِ في بيوتهم وهم لا يعلمون بأنهم قد أصبحوا أبطالا ً للحكاية ِ وأن أمراً أسمه ُ القدرُ بدأ في صياغة مستقبل ٍ جديد ٍ لهم. وبينما كان البعضُ يتطلع عبرَ النوافذِ في انتظار ِهطول ِالمطر ، كان البعضُ الآخر يفكر في حل ٍ للغز ٍ أذيع في المذياع ِ لكن أكثرهم كانوا يجهلون .

تلك كانت ليلة َ ولادته ، وعلى الرغم ِمن صعوبة ِالانتقال ِلبعدِ المسافة فقد تمكنت القابلة ُالعجوز من الوصول ِإلى الدار ِالتي جاورت النهرَ القديم ..

وحينَ اقتربَ الصباحُ حاملا ً النورَ على أكتافهِ وأوشكت الشمسُ أن تفتكَ بأوصال ِالظلام ِخرجت القابلة ُ العجوز من الغرفة لتبشر الأهل َبسلامة الولادة ..

لقد كان يوم ولادته يوم فرح ٍ عظيم ٍ إذ اجتازت الأم ُ أزمة ً كادت أن تقضي عليها ، فغنى أخوهُ ورقصت أخته ُ .

أما أمه ُ فقد احتضنته كأنه البكرُ وسعدت أن رأته معافىً بلا تشوهٍ ، وطلبت من أختهِ أن توزعَ الحلوى على الجميع.

 قبل أن تغادر ، قالت القابلة العجوز:

في الحلم ِ كنت أراه ُ

يمشي والكل ّ وراءه ُ

 

حلم ٌ كالبشرى جاء َ

للعطشان ِ يروي الماء َ

 

قلب ٌ في الحب ّ آية

يحكي للعقل ِ حكاية

 

بيمين ٍ يحمل راية ً ..

تجعل للناس ِ غاية ..

 

وهذا الطفل ُ سيكبر ْ

ويحب الحب َّ أكثر ْ

 

سيقول بكل ِّ صدق ٍ

للأرض ِ جسدي يُنحر ْ

 

أيتها الأم ...

إنى مدركة ما أقول وبالمعاني عارفة ..

 

 

إحسان وصفي

مارس 1991